رائحة عمرها ستة قرون..
كنت تظن أنك تصب فنجان قهوة، لكنك في الحقيقة تفتح بابا عمره ستمئة عام.
تبدأ الحكاية فوق جبل في إثيوبيا، حيث الضباب ثقيل وراع بسيط يراقب ماعزه... الماعز لا تنام... تاكل ثمرة حمراء صغيرة وتظل ترقص حتى الفجر... يأخذ الراعي الثمرة إلى رهبان الدير، يلقونها في النار خوفا منها، فتخرج منها رائحة لم يعرفها أنف بشري من قبل....رائحة التحميص الأولى.
تعبر تلك الرائحة البحر الأحمر... تصل إلى اليمن...هناك، في زاوية صوفية معتمة في القرن الخامس عشر، يجلس رجل لا يريد أن ينام... يريد أن يبقى مستيقظا ليذكر الله حتى الصباح... يأخذ الحبة، يحمصها، يطحنها، يغليها بالماء... لأول مرة في تاريخ البشرية، تتحول ثمرة برية إلى شراب ساخن...يسميه قهوة... يصبح سر الصوفيين.
اليمن يفهم القوة التي بين يديه...يزرع الجبال، يحتكر البذور، لا يبيع إلا الحبوب المحمصة حتى لا يزرعها أحد غيره. لثلاثمئة عام، العالم كله يشرب من ميناء واحد فقط، المخا... كل كلمة موكا تسمعها اليوم هي اسم ذلك الميناء اليمني الصغير.
على سفن الحجاج تسافر القهوة إلى مكة... يجتمع الناس حولها في الحرم، يسهرون، يتحدثون...يخاف الفقهاء... يصدرون فتوى: إنها مسكرة، إنها فتنة... يغلقون المقاهي ويكسرون الجرار في الشوارع... لكن الناس يعودون إليها في الخفاء، لأنها تساعدهم على السهر والدراسة والسفر.
تصل إلى إسطنبول... يفتح رجلان دمشقيان أول مقهى في التاريخ عام 1554. لا يصبح مكانا للشرب، يصبح مكانا للكلام. الشعراء يلقون قصائدهم، التجار يعقدون صفقاتهم، وحتى المؤامرات ضد السلطان تطبخ هناك على مهل مع صوت الفناجين... السلطان مراد الرابع يرسل جنوده متنكرين، من يجدونه يشرب القهوة يجلده.
تهرب إلى روما...يصرخ الكهنة: هذا شراب الشيطان، جاءنا من المسلمين... يذهبون إلى البابا كليمنت الثامن ليحرمه... يطلب البابا أن يتذوقه قبل أن يحكم... يرفع الفنجان، يشرب، يبتسم ويقول: هذا الشراب الشيطاني لذيذ لدرجة أنه سيكون من المؤسف أن نتركه للكفار وحدهم...
في لندن يصبح المقهى جامعة الفقراء... ببنس واحد تدخل وتجلس بجانب نيوتن، تسمع فولتير، ترى تاجرا يؤسس شركة تأمين ستصبح لويدز. أوروبا التي كانت ثملة بالجعة طوال النهار، استيقظت فجأة.
وكان لا بد أن يسرق السر... يهرب الهولنديون شتلة عام 1616 إلى جاوة. وبعدها بمئة عام، يرسل ملك البرازيل ضابطا وسيما إلى غويانا الفرنسية ليطلب البذور فيرفض الفرنسيون....لكن زوجة الحاكم تقع في حب الضابط، وتودعه بباقة ورد كبيرة... داخل الورد، تخبئ له حفنة بذور... من تلك الباقة المهربة نبتت اليوم غابات البرازيل التي تطعم ثلث العالم قهوة.
ثم تعود القصة إليك... إلى الدلة على نارك... هذه الدلة ليست إيطالية.... إنها حفيدة دلة الصوفي اليمني... مرة، بهيل، بنار هادئة...فنجان للضيف، وفنجان للكيف، وفنجان للسيف. #مجتمع #مقهى_الخزامى #مجتمع_عام
4 مشاهدة



