الأكثر مبيعًا.
منذ متى كان الأدب يُقاسُ بزرِّ الإعجاب؟ ومنذ أيِّ حينٍ صارت "الطبعةُ الخمسون" صكَّ غفران لركاكة الأسلوب وفقر الخيال؟ وكيف تحولَ النِّقَاشُ حولَ قيمة النص إلى "جدل بيزنطي" يثيره الكاتبُ وسدنتُهُ على منصات التواصل؟ في المكتبات الكبرى تتربعُ روايات "الأكثر مبيعًا" في الواجهة، كعارضات أزياءٍ يرتدين أغلفةً "مُثيرة" صُمِّمت خصيصًا لإغرائنا وإغواءِ خوارزميات الإنستجرام، وبمجرد أن تفتح الصفحة الأولى، تصدمك اللغةُ البيضاء التي لا طعم لها ولا لون، والأسلوبُ الركيك الذي لا يُسمن ولا يُغني من جهل، نصوصٌ كُتبت لتساعدك على الغثيان؛ لا تستفزُ عقلك، ولا تخدشُ ثوابتك، ولا تضيفُ لقاموسِك مُفردةً واحدة.
ومن المؤلمِ أن ترى كيف استحال المشهدُ الثقافي اليوم إلى سيركٍ صاخب، يتقدم الصفوف بَهَالِيلُ الكلمةِ الذين ظنوا أن حيازةَ قلمٍ تُعطيهم صكوكَ النبوةِ الأدبية، ممَّا جعلهم يتوهمون أنَّ وحيَهُم ليس بحاجةٍ إلى شهادةٍ من نُقَّادِ الأدب، يكفيهم أن يحصلوا على "ريفيو" من فتاةٍ تملك نصف مليون متابع، لتُصبحَ روايتُهُ "الأكثرَ مبيعًا" على مَرِّ التاريخ. هؤلاء "البلوجرز" هم وباءُ الثقافة؛ إذ يرفعون الوضيعَ بكلماتٍ معسولةٍ خاليةٍ من أي عمقٍ معرفي، يدَّعون النقدَ وهم لا يُحسنون تركيبَ جملةٍ مفيدة، يُمارسون الاستمناءَ الفكري أمام شاشاتهم موهمين أنفسهم وأتباعهم بأنهم حراسُ الأدبِ والفكر.
ولعلَّنا نلاحظُ جليًّا أنَّ النقدَ اليومَ مهنةُ من لا مهنةَ له؛ أشخاصٌ فارغةٌ من أدنى مقومات البيانِ يجهلونَ أبجدياتِ النقد، يُقيِّمون النصَّ بناءً على جودةِ الورقِ ورائحته، أو رقةِ الغلافِ وألوانه، وربَّما نجدُ أحدَهم يكتبُ خواطرَ تشبه تعليمات الغسيل، ثمَّ يزُفُّها إلى أحدِ النُّقَّادِ الـ "تيكاواي" الذين يستمدونَ شرعيتَهُم من أعدادِ المتابعين، فيهرعُ خلفَ خواطرِهِ آلافُ المؤيدين الذين يجهلون الفرقَ بينَ الفاعلِ والمفعولِ فيه، هاتفين باسمه كأنَّهُ بَعَثَ لغةَ الضادِ من مرقدِهَا، فيغدو أحدُهم هذا "براندًا" تجاريًا يمتلك أحدثَ صيحاتِ الأدب، وتتحولُ روايتُهُ إلى "إكسسوار" يُوضعُ بجانبِ كوب القهوة لالتقاط صورةٍ ضحلةٍ تليقُ بعقلِ صاحبِهَا الصغير.
تأملوا الفرقَ الشاسعَ بين مآذن الكلمة وهياكلها الشامخة؛ حيث كان المنفلوطي يقطرُ بيانُهُ رقةً وعبرات، ويصيغُ الرافعي من وحي القلمِ معجزاتٍ لغويةً تأخذُ بالألباب، ويُشيِّدُ نجيب محفوظ عوالمَ روائيةً حيةً تضج بالفلسفة والحياة، هؤلاء كانوا رهبانًا في محراب الحرف، يعجنون نصوصَهم بماءِ المعرفةِ ويسهرون الليالي لضبطِ إيقاعِ الجملةِ الواحدة، فاستحقوا خلودَ الذكرِ بفضل جزالةِ السبكِ ومتانةِ المعنى. قارنوا هذا الشموخَ بما يُقذَفُ علينا اليومَ من دُورِ النشر، تلكَ الدُّور التي أصبح شُغلُهَا الشَّاغلُ هو استقطابُ المشاهيرِ الذين يملكون قاعدةً جماهيريةً جاهزةً للشراء، فأدَّت بدورِها إلى قتل المواهب الحقيقية بدمٍ بارد، ودفعَت بالأدبِ نحو التبذل التجاري المهين، فتجدُ ابتذالًا عاطفيًا يداعبُ غرائزَ المراهقين، وصياغةً ركيكةً تُشتِّتُ عقولَ القارئين، وهراءً لغويًا لا يرتقي لذوقِ المتذوقين، حتى أضحى الكتابُ مجردَ زينةٍ للناظرين.
فيا أيُّها النُّقَّادُ الحقيقيون، يا حراسَ الأدبِ الباقين، عليكم أن تكسروا طوقَ صمتكم المريب، وتخرجوا من عزلتكم لتصفعوا وجوه هؤلاء المهرجين، وتقولوا كلمةَ الحق التي لا تُهادنُ زيفًا ولا تُداهنُ أحدًا، اضربوا على أيدي العابثين بمطارق الحجة، وأعيدوا للأدب وقاره الضائع بين مخالب التسويق الرخيص. استحضروا هيبةَ "طه حسين" حينما كان يقفُ كالجبلِ الأشم في وجه كلِّ ركاكة، مُشهرًا مِبضَعَ نقدِهِ في وجوه كبار الكتَّابِ والشعراءِ غيرَ هيَّابٍ ولا وجل، فكانَ ميزانَ الذهبِ في سوقِ الأدب، يغربلُ الغثَّ من السمين، ويضعُ الفطاحلَ أمام مرآة عيوبهم بصرامةِ المعلمِ وحرصِ المحبِ للبيان، حتى سادَ الأدبُ وعزَّ الحرف.
#مجتمع #قصيد #شعر #مقال
11 مشاهدة