من ثقافة المكان إلى مكان الثقافة.
لم نكن ونحن ندخل مجلس الشاعر الأردني محمد الفراية على تطبيق مجتمع، نعلم أن السؤال الذي اجتمعنا حوله سيغادر حدود النقاش ليصير تجربة نعيشها، وأن المكان الذي جئنا نستفهم عن حضوره في النص الأدبي سيخرج من النص، ويجلس بيننا، ويصغي إلى أصواتنا، ثم يرافقنا خمس ساعات كاملة، متنقلا من بلد إلى بلد، ومن ذاكرة إلى أخرى، حتى غدا المجلس نفسه نصا مفتوحا على جغرافيا لا تنتهي عند حدود الخرائط.
كان السؤال، في ظاهره، أدبيا: كيف يكون للمكان أن يكون حاضرا في النص؟ وهو سؤال يستدعي أكثر من إجابة، لأن المكان في الأدب لا يُختزل في تضاريسه، ولا يُقاس بما يشغله من مساحة، ولا تحدده الجهات الأربع. فقد تكون الغرفة أوسع من مدينة، وقد يتسع زقاق ضيق لطفولة كاملة، وقد تحمل نافذة واحدة من العالم ما تعجز عنه خرائط القارات.
ولعل غاستون باشلار، وهو يتأمل جماليات المكان، كان يدرك أن البيوت التي نسكنها تسكننا بدورها، وأن الذاكرة لا تحتفظ بالجدران بقدر ما تحتفظ بما جرى بينها من أحلام ورجفات وأصوات. فالمكان، حين يدخل الأدب، يتخلى عن حياده الهندسي، ويكتسب سيرة أخرى، حتى ليغدو الكرسي الذي غاب عنه صاحبه أبلغ من مجلس مكتظ، وتصير عتبة البيت شاهدًا على الذين عبروا ولم يعودوا.
وفي ذلك شيء من حكمة الأطلال في الشعر العربي القديم؛ فما كان امرؤ القيس حين وقف واستوقف وبكى واستبكى يسأل الحجارة عن أخبارها، وإنما كان يستنطق الزمن المتحجر في المكان. ولم يكن المكان عنده مجرد ديار خلت من أهلها، وإنما كان الوعاء الذي بقي بعدما انسكبت منه الحياة.
ولعل أجمل ما في الأدب أن المكان فيه لا يظل على حاله. فبغداد المتنبي ليست بغداد الجغرافيين، وأندلس ابن زيدون ليست أندلس المؤرخين، والقدس في وجدان محمود درويش تتجاوز حجارتها وأسوارها إلى المعنى الذي يجعل الأرض قادرة على حمل الإنسان حتى وهو بعيد عنها.
هكذا مضى الحديث، تتقاطع فيه القراءات والانطباعات، وتتجاور الرؤى، ويستدعي النص نصًّا آخر، حتى بدا المجلس كأنه سوق عكاظ صغيرة، لا يتبارى فيها الشعراء على الغلبة، وإنما يتقاسمون ما تيسر من الدهشة، ويختبرون قدرة اللغة على أن تجمع ما فرّقته المسافات.
ثم حدث ما لم يكن في الحسبان.
تعثر اتصال الشاعر محمد الفراية بالإنترنت، فغاب صوته عن إدارة المجلس، غير أن السؤال ظل حاضرا، كأن المكان أراد أن يتدخل بنفسه في النقاش، وأن يبرهن لنا أن الحضور ليس دائمًا رهين الجسد، وأن الغياب قد يكون صورة أخرى من صور الامتداد.
انتقلت الإدارة إلى الشاعر العراقي كنعان، فكان في ذلك الانتقال شيء من رمزية لا تخفى على من يعرف ما للعراق من مقام في ذاكرة الأدب العربي. فمن أرض الرافدين، حيث تعلم الطين أن يحفظ الكلام، وحيث كتب الإنسان بعض أقدم أسئلته عن الحياة والموت والخلود، واصل المجلس رحلته.
وخُيِّل إليَّ أن جلجامش، الخارج من ألواحه القديمة بحثا عن سر البقاء، لو أدرك مجلسنا، لوجد أن الإنسان ما زال يطارد السؤال نفسه، وإن تبدلت الوسائل؛ فما الذي يبقى من الإنسان بعد عبوره، سوى الأثر الذي يتركه في ذاكرة الآخرين؟
ثم سلم كنعان ( Kanaan Hatam ) مشعل الإدارة إلى الشاعر المصطفى حناني ، المقيم في فرنسا، فانتقل بنا المجلس إلى ضفة أخرى من المتوسط، دون أن نحتاج إلى جواز سفر أو تأشيرة عبور. وكانت تلك لحظة تستحق التأمل؛ إذ كيف يمكن لصوت أن يقيم في فرنسا، ويحمل ذاكرته العربية، ويستضيف أصواتا من جهات شتى، ثم يجعل الجميع يشعرون بأنهم في غرفة واحدة؟
هنا تذكرت عبارة الشاعر اليوناني قسطنطين كفافيس، في معناها العميق: ( ستظل المدينة تتبعك ). فالإنسان لا يغادر أمكنته جميعًا حين يرحل، وبعض المدن تسافر معه، مختبئة في لكنته، وفي اختياراته اللغوية، وفي تلك التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها إلا من يعرف أن للحنين جغرافيا لا ترسمها الأطالس.
ولعل المهاجر، أكثر من سواه، يدرك أن المكان ليس ما تقف عليه القدمان وحدهما، وإنما ما تلتفت إليه الروح كلما ناداها صوت قديم.
كنت أصغي إلى هذا الانتقال العجيب، وأستعيد في نفسي شيئا من سيرة البحر. وأنا الذي عرفت كيف تتغير الجهات في عرض الماء، وكيف يصبح الأفق وطنا مؤقتا للبحّار، وجدتني أمام بحر آخر، لا ملوحة فيه ولا مرافئ، ومع ذلك كانت له أمواج وتيارات ومسافات، وكانت أصوات المشاركين فيه سفنا صغيرة، تحمل من شواطئها ما يكفي لتوسيع معنى الرحلة.
في البحر نحتاج إلى بوصلة لنعرف أين نمضي، أما في ذلك المجلس، فقد كانت الكلمة بوصلة الجميع، وكان الإصغاء شاطئًا مشتركًا.
ومضت الساعات. خمس ساعات كاملة، لم أشعر خلالها بأننا نقيم في مكان ثابت. كان المجلس يتحرك على نحو لا تراه العين، يعبر البلدان مع انتقال الأصوات، ويبدل نوافذه كلما تَسَلَّم أحدهم مشعل الحديث. كأننا في رحلة من رحلات ابن بطوطة، غير أن الرحالة هذه المرة لم يكن شخصا واحدا، وإنما كان سؤالا يسافر بين الناس، ويعود من كل محطة مُحمَّلًا بمعنى جديد.
ولم تكن المفارقة في أن مجلسا افتراضيا جمع أصواتا متباعدة، فذلك مما اعتدناه في زمن التقنية، وإنما في أن السؤال عن ثقافة المكان جعلنا نكتشف، دون تخطيط، أننا نشارك في صناعة مكان له ثقافته الخاصة.
مكان لا أبواب له، ومع ذلك ندخله.
لا جدران تحده، ومع ذلك نشعر بألفته.
لا عنوان بريديا له، ومع ذلك نهتدي إليه.
ولا يحتاج من يقيم فيه إلى أن يتخلى عن مدينته كي يجاور الآخرين.
ولعل هذا ما يجعل تجربة مجتمع جديرة بالتأمل خارج حدود كونها تطبيقا للتواصل. فالتقنية تستطيع أن تجمع الأصوات، غير أن البشر وحدهم يمنحون اجتماعها معنى. وما المنصة، مهما اتسعت إمكاناتها، سوى فضاء ينتظر أن تؤثثه الأرواح بما تحمل من معرفة وذائقة واختلاف وذاكرة. لقد علمنا الفضاء الرقمي أن المسافة لم تعد دائما عائقا أمام اللقاء، لكنه لم يضمن لنا أن يكون كل لقاء جديرا بالوقت الذي ننفقه فيه. فثمة مجالس تتسع فيها الأعداد ويضيق المعنى، وثمة مجالس قليلة الأصوات تستطيع أن تفتح في الفكر نوافذ كثيرة. وما شهدته اليوم كان من ذلك النوع الذي يستبقي في الذاكرة أثرا يتجاوز زمن انعقاده.
وفي هذا المعنى تحضرني حكمة ابن عربي: ( المكان إذا لم يؤنث لا يُعوَّل عليه )، بما تفتحه من أفق رمزي في النظر إلى المكان بوصفه قابلا للاحتضان والتكوين والولادة. وقد بدا لي مجلسنا حاضنة لأفكار تتوالد من بعضها، ولأسئلة لا تطلب نهاية بقدر ما تبحث عن أفق أرحب. ولأن لكل رحلة خاتمة، وجدتني، بعد تعاقب الأيدي على إدارة المجلس، أتسلّم آخر المشاعل.
كان علي أن أختتم اللقاء وأغلق المجلس، بعدما امتد بنا الحديث خمس ساعات. وهنا استوقفتني مفارقة أخرى: كيف يمكن للمرء أن يغلق مكانا لم يفتح له باب؟ وكيف ينهي مجلسا ما زالت بعض أفكاره تتحرك في داخله؟
أدركت يومها أن إغلاق المجلس ليس بالضرورة نهاية اللقاء، وأن بعض الأمكنة تبدأ حياتها الحقيقية بعد مغادرتها، حين تتحول إلى ذكرى، أو فكرة، أو نص، أو رغبة في العودة.
ولعل هيراقليطس، الذي رأى أن الإنسان لا ينزل النهر نفسه مرتين، كان سيجد في هذه التجربة شاهدا آخر على جريان الأشياء؛ فالمجلس الذي افتتحه محمد الفراية لم يكن هو المجلس نفسه الذي اختتمته بعد خمس ساعات. لقد عبرته أصوات، وتبدلت فيه الأسئلة، وتراكمت داخله الانطباعات، حتى صار زمنا مشتركا لا يستطيع أحدنا أن ينسبه إلى نفسه وحده.
وأجمل ما في الأمر أن المجلس كان، على نحو مجازي، يتبع الشمس من بلد إلى بلد.
كلما انتقل مشعل الإدارة إلى يد، انفتحت جهة جديدة من الجهات، وكأن الضوء يرفض أن يستقر في نافذة واحدة. من الأردن إلى العراق، ومن العراق إلى فرنسا، وصولًا إلى المغرب، كانت الجغرافيا تتراجع أمام هذا الامتداد الإنساني، دون أن تفقد خصوصيتها. فلكل صوت تربته، ولكل شاعر مدينته التي تتكلم في حروفه، ولكل تجربة ظلها الذي لا يشبه سواه.
وهكذا لم نكن نلغي المسافات، وإنما كنا نمنحها معنى آخر.
فالمسافة التي تفصل بين مدينتين قد تكون آلاف الكيلومترات، أما المسافة التي تفصل بين روحين فقد تختصرها جملة واحدة صادقة، وقد تعجز أعوام من المجاورة عن اختصارها.
ولست أدري إن كان محمد الفراية، وهو يختار عنوان مجلسه، قد توقع أن يتحول السؤال من موضوع للنقاش إلى صورة حية لما نناقشه. فقد بدأنا نتساءل عن حضور المكان في النص الأدبي، وانتهينا إلى اكتشاف حضور النص في صناعة المكان.
وما أروع أن تسبق التجربة خلاصتها، وأن يكتب المجلس، بحركته العفوية، الجواب الذي ظللنا نبحث عنه في الكتب والقصائد والانطباعات!
لقد كان المكان حاضرا في كل شيء: في ذاكرة من قرأ، وفي مرجعيات من ناقش، وفي لهجات المشاركين، وفي اختلاف زوايا النظر، وفي انتقال الإدارة بين بلدان لا يجمعها جوار جغرافي مباشر، وإنما تجمعها اللغة والرغبة في المعرفة.
وكان الزمان حاضرا كذلك، لا بوصفه خمس ساعات على عقارب الساعة، وإنما بوصفه مدة امتلأت بما يجعلها أطول في الذاكرة وأقصر في الشعور.
وهنا أفكر في أن الثقافة، في أحد أجمل وجوهها، هي القدرة على تحويل العبور إلى إقامة؛ أن نمرّ بمكان فنترك فيه شيئا منا، وأن يمر بنا إنسان فيترك في وعينا نافذة لم تكن موجودة.
لقد دخلنا المجلس أفرادا يحمل كل منا مكانه الخاص، وخرجنا منه نحمل مكانا مشتركا.
لم يعد الأردن بعيدا كما كان، ولا العراق مجرد اسم في ذاكرة الشعر، ولا فرنسا ضفة أخرى من البحر، ولا المغرب آخر محطة في رحلة الأصوات. لقد اجتمعت هذه الجهات، لساعات، في مدار واحد، وكان مجتمع هو ذلك المدار، وكانت الثقافة قوة الجذب التي حالت دون تشتت كواكبه. ولعلني، وأنا أغلق المجلس لم أكن أغلق شيئا على الحقيقة. كنت أضع فاصلة في نص طويل، بدأه محمد الفراية بسؤال، ووسّعه كنعان بحضوره، وحمل مصطفى حناني بعض ضوئه، وأسهم في كتابته كل من قرأ وناقش وأصغى، ثم وجدتني عند آخر سطر منه، أبحث عن نقطة لا تشبه النهاية.
ثم كان للمجلس في دقائقه الأخيرة، موعد مع التفاتة نقدية جميلة، حين التحق بنا الأستاذ رحال الإدريسي، وأصغى إلى قصيدتي، ثم قال في تعقيبه ما معناه إن الشاعر ينطلق في نصه من البحر الذي يسكنه صيفا وشتاء.
استوقفتني هذه الملاحظة لما تنطوي عليه من نفاذ إلى العلاقة الخفية بين الشاعر ومكانه؛ إذ ليس البحر، في تجربتي، مشهدا أستعيره كلما احتجت إلى صورة، ولا معجما من الموج والمرافئ والرياح ألوذ به حين تضيق العبارة، وإنما هو خبرة طويلة تسربت إلى اللغة حتى غدت بعضا من طبيعتها. ولعل الإنسان حين يطيل الإقامة في مكان، يفقد القدرة على النظر إليه من خارجه؛ تتداخل تضاريسه مع تضاريس الروح، وتصبح له في الذاكرة أعماق لا تبلغها خرائط الجغرافيين.
وهنا استعدت مقولة باشلار عن المكان الذي نأوي إليه، وفكرت في أن البحر، على اتساعه وانعدام جدرانه، قد يكون بيتا من نوع آخر؛ بيتا لا سقف له سوى السماء، ولا أرض تستقر تحت ساكنه، ومع ذلك يمنحه ألفة لا يجدها في أكثر البيوت رسوخا.
لقد أعاد الأستاذ رحال الإدريسي ، بتعقيبه الموجز، سؤال المجلس إلى تجربتي الشخصية، وكأن الرحلة الطويلة التي قطعها النقاش بين البلدان انتهت عند شاطئ أعرفه، لأكتشف أنني كلما حاولت الكتابة بعيدا عن البحر، وجدت شيئا منه قد سبقني إلى القصيدة.
ولعل تلك كانت إحدى أجمل مفارقات اللقاء: أن نبحث طوال الساعات عن حضور المكان في الأدب، ثم يأتي صوت في الدقائق الأخيرة ليذكرني بأن بعض الأمكنة لا تنتظر أن نستحضرها في النص، لأنها تقيم فينا قبل أن نكتب، وتتكلم من خلالنا حتى حين نظن أننا نتحدث عن أشياء أخرى.
فليس كل من كتب عن البحر بحّارا، وليس كل من غادر البحر قد خرج منه.
لهذا أكتب الآن، لا لأوثق مجلسا مضى، وإنما لأحتفظ بشيء من تلك المفارقة الجميلة: أن نتحدث عن المكان ونحن نؤسس، بالكلام نفسه، مكانا جديدا.
فما المكان، في نهاية الأمر، إذا لم يكن تلك المساحة التي يستطيع فيها الإنسان أن يجد شيئا من نفسه في الآخرين؟
وما الثقافة إذا لم تكن هذا الامتداد الذي يمنح اختلاف الجهات قدرة على التلاقي، ويجعل من الإصغاء شكلا من أشكال الضيافة؟
شكرا للشاعر محمد الفراية الذي فتح السؤال والمجلس، وللشاعرين كنعان ومصطفى حناني اللذين حملا أمانة امتداده، ولكل من أسهم في إثراء هذا اللقاء بحرف أو قراءة أو تأمل أو إصغاء.
أما أنا، فقد خرجت منه بفكرة واحدة تستحق أن أحتفظ بها طويلا، كنا نظن أننا نبحث عن المكان في النص، فإذا بالنص يمنحنا مكانا نقيم فيه، وكانت الشمس تدور خارج المجلس، فيما كان المجلس يوسّع مدارها فينا.
وأحب أن أختم بهذه العبارة وهي للدكتور عبد السلام المنصوري من كتابه الرواية والدهشة ( العالم نص مقيد وضيق، والنص عالم فسيح وممتد ).
#محمد_سعيد_المقدم
طنجة، 23 أكتوبر 2026
#مجتمع
@المتابعون

122