حقيقة مغتربة
وجهُ الحقيقةِ في المرآةِ مغترِبُ
والظلُّ يبحثُ عن أصلٍ فيضطرِبُ
نمشي على قشرةِ الأيامِ في حُلُمٍ
ونحن في قبضةِ الأوهامِ نحتطِبُ
كأنَّنا لغةٌ عمياءُ تنطقُها
شفاهُ ريحٍ، لها في صمتِنا صَخَبُ
الوعيُ كأسٌ من الألغازِ نشربُها
فيسكرُ العقلُ، والأفكارُ تلتهِبُ
أقنعةُ الطينِ تذوي فوقَ أوجُهِنا
وتحتها ماردٌ في الصمتِ ينتحِبُ
نفصِّلُ الوقتَ أكفاناً لنلبسَها
وهذه الأرضُ خيطٌ، نسجُهُ عَجَبُ
غزلتُ من شَعَرِ الأوهامِ أشرعةً
لمركبٍ في رمالِ التيهِ ينسحِبُ
نطاردُ الضوءَ في أعماقِ عتمتِنا
حتى تيقَّنَ أنَّ المبتغى كَذِبُ
فلا السماواتُ تؤوي صرخةً عَقُمَت
ولا النجومُ إذا ناديتَها سَبَبُ
جماجمُ الأمسِ كاساتٌ نديرُ بها
خمرَ البقاءِ، لننسى أنَّنا خَشَبُ
نسيرُ في صُوَرٍ شتَّى، وأصلُ رؤى
هذا الوجودِ سرابٌ ليس يُقترَبُ
أنا المحايدُ، لا خوفٌ يكبِّلُني
ولا رجاءٌ إلى دنياكُمُ نَسَبُ
في داخلي محشرٌ للصمتِ أسمعُهُ
وخلف أوردتي يغلي بيَ الغَضَبُ
عقلي رصيفٌ مهيضٌ ملَّ زائرَهُ
والفكرُ طيرٌ على جدرانِهِ تَعِبُ
أفكِّكُ الشيءَ حتى ينتهي عَدَماً
وأعصرُ العُدمَ حتى يقطرَ الذَّهَبُ
ما قيمةُ العمرِ؟ برقٌ في سحابتِهِ
يوماً سيخبو، ولا تبقى لهُ سُحُبُ
نبني الحضاراتِ من جوعٍ ومن قلقٍ
ليأكلَ الرعبُ ما خطَّتْهُ ذي الكُتُبُ
تحوَّلت أعينُ الآتينَ من سفرٍ
إلى مرايا بها الأشباحُ تنسكِبُ
أنا الغريبُ الذي ضاقت مساحتُهُ
بين الجهاتِ، ولم يُشرَعْ لهُ طَلَبُ
اليأسُ حصني إذا ما الأرضُ زُلزِلَتْ
والأمنياتُ جريحاتٌ بها عَطَبُ
نمتصُّ ثديَ الرَّدى حتى نشبَّ بهِ
كأنَّنا لجحيمِ الغيبِ نُحتَسَبُ
عانقتُ صمتيَ كي أقرأ عوالمَهُ
في الصمتِ صوتٌ خفيٌّ ليس يُحتجَبُ
والناسُ مثلُ خيوطٍ في محرِّكِها
يمضونَ في طُرُقٍ عمياءَ تنشعِبُ
لا دمعةٌ سقطت إلَّا بمشنقةٍ
ولا ابتسامةَ إلَّا خلفها رِيَبُ
رميتُ كلَّ يقيني في محارقِهِ
لأُبصِرَ السِّرَّ، لكن ماتتِ الشُّهُبُ
نحن الخرابُ الذي يمشي على قَدَمٍ
يجمِّلُ الموتَ في أعماقِهِ لَعِبُ
في مسرحِ العُدمِ أسدلنا ستائرَنا
فلا بقاءٌ، ولا قصدٌ، ولا هَرَبُ!
حافظ الشرعبي
@المتابعون
#حافظ_الشرعبي
#مجتمع #شعر
39