حدث في مثل هذا اليوم /2 نوفمبر 1917/الوعد المشؤوم.. وعد بلفور
حين يقف التاريخ على عتبة الكذبة الكبرى، يتنحى الحياد جانباً ليترك للحق صوته الهادر؛ فمقولة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" لم تكن سوى هلوسة استعمارية بلهاء تفتقر إلى أبسط قواعد الأدب مع الحقائق تماماً، كمن يحاول حجب عين الشمس بغربال من وهم. ولهذا، فإن استرجاع الحكاية الفلسطينية بكل ما فيها من وجع العاصفة وصلابة الجذور يقتضي منا أن نلج الباب من مصراعيه الأوسع، لنتأمل كيف تقاطعت صرخة الدبلوماسية بلهيب البارود، وكيف واجه صاحب الحق جحافل الغزاة بلا رادع إلا اليقين.
إذ حين أطلق عرّابو الاستعمار كذبتهم الكبرى – تلك الأسطوانة المشروخة – كانوا يكتبون فصلاً من مسرحية سمجة، متوهمين أن التاريخ بلا أهل، وأن الشعوب مجرد ديكورات باهتة يمكن إزاحتها بجرّة قلم أو بوقاحة بلفورية باردة. لكن الوقائع التاريخية جاءت لتكذب كل هذا الهراء وتصفع وجه الوهم، وغفلوا عن حقيقة أزلية تتمثل في أن فلسطين لم تكن يوماً صفحة خرساء، بل كانت أمّاً تلد الغضب، ورجالاً يرفضون بيع تراب الدار بحفنة من وعود الضباب العابرة.
وفي مواجهة هذا السطو المدجج بالبارود والصلف، واجه الفلسطينيون المشروع البريطاني الصهيوني بكل صلابة على جبهتين؛ فكانت جبهة المواجهة السياسية والدبلوماسية التي قادتها حشود نبتت من صلب الأرض، حيث تأسست "الجمعيات الإسلامية المسيحية" فور الاحتلال البريطاني في مدن مثل القدس ويافا وحيفا لتشكل جبهة موحدة لمقاومة الوعد وتأكيد اللحمة الوطنية. وإلى جانبها انطلقت "المؤتمرات العربية الفلسطينية"، حيث عُقد المؤتمر الأول في القدس عام 1919 برئاسة عارف الدجاني رافضاً الوعد ومطالباً بالاستقلال، وتوالت المؤتمرات حتى المؤتمر السابع لتبرز قيادات تاريخية فذة، مثل موسى كاظم الحسيني (رئيس اللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني) الذي قاد الوفود الفلسطينية إلى لندن وكافح دبلوماسياً لإبطال الوعد حتى استشهاده عام 1934 متأثراً بجراحه إثر اعتداء قوات الاحتلال البريطاني عليه في المظاهرات، ليكون شهيداً للكلمة والموقف والميدان.
ولأن لغة الاستعطاف استعصت على فهم آلة الحرب البريطانية الصهيونية، فقد تُرجم الرفض السياسي إلى انتفاضات مسلحة متتالية واجهت آلة الحرب البريطانية وهزت الأرض تحت أقدام الغزاة؛ فجاءت "انتفاضة موسم النبي موسى" في أبريل 1920 كأولى المواجهات الدامية في القدس ضد المستوطنين والجنود الإنجليز، ليدرك الجميع بطلان وهم المستعمر القائل إن هذا الشعب يُستباح بلا مقاومة. وألجمت "ثورة يافا" في مايو 1921 غطرسة المحتل بانطلاقها احتجاجاً على تدفق المهاجرين، فامتدت نارها إلى طولكرم وقلقيلية كأن أشجار البرتقال هناك رفضت أن تسقي ظمأ الغرباء. ثم تُوج هذا الغليان بـ"ثورة البراق" في أغسطس 1929، وهي هبة شعبية عارمة دفاعاً عن المقدسات في القدس، امتدت إلى الخليل وصفد، وقمعتها بريطانيا بالإعدامات الظالمة مثلما حدث مع الشهداء الأبطال (جمجوم وحجازي والزير)، متوهمة أن حبال المشنقة تخنق نداء الحياة. واستمرت الجذوة لتنفجر "الثورة الفلسطينية الكبرى" بين عامي 1936 و1939، كأطول عصيان مدني وثورة مسلحة في التاريخ الفلسطيني تحت قيادة "اللجنة العربية العليا" برئاسة المفتي الحاج أمين الحسيني، حيث واجه الثوار بريطانيا والصهيونية معاً ببسالة منقطعة النظير، يصدون جحافل الغزاة بصلابة وإيمان لا يتزعزع بيقين الأرض وعدالة القضية، حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية.
وتمضي السنون لتبقى هذه المسيرة شاهداً حياً وخاتمة وثائقية تليق بهذا السجل النازف؛ حيث يظل وعد بلفور النموذج الأبرز لغطرسة القوة الاستعمارية التي تقاسمت العالم بالمسطرة والقلم، وصنعت جرحاً غائراً في قلب الأمة العربية يلقي بظلاله الثقيلة على واقعنا المعاصر كأنه طيف ثقيل يرفض الرحيل، ليجسد بمرارة ذلك الوصف الصادق: وعد من لا يملك لمن لا يستحق...
✍️ هشام بلعروي الجزائري 🇩🇿 🇵🇸
ترانيم الحروف 4890
#مجتمع #مجتمع_عام #تاريخ #فلسطين #وعد_بلفور #ترانيم_الحروف_4890 #Hichem_belaroui
@المتابعون #مجالس_مجتمع #أوراق #مقهى_الخزامى #لآلئ_اليوم

44