ملحٌ في الذاكرة
صَوتُ الفَرَاغِ يَدُقُّ نَبضَ ثَبَاتِي
فَتَهَشَّمَت قَبلَ السُّقُوطِ حَصَاتِي
كَفُّ السَّرَابِ عَلَى يَدَيَّ كَأَنَّهَا
لَحمِي الَّذِي قَد ذَابَ فِي العَثَرَاتِ
وَعَلَى التُّرَابِ ظِلَالُنَا قَد عُلِّقَت
كَمَشَانِقٍ لِلرُّوحِ فِي الثَّغَرَاتِ
مَزَّقتُ خَارِطَةَ الوُجُودِ لِأَنَّنِي
ضَيَّعتُ فِي التِّيهِ الطَّوِيلِ جِهَاتِي
سَافَرتُ دُونَ مَلَامِحٍ، فَكَأَنَّنِي
ذُبتُ مِنَ الإِعيَاءِ فِي خُطُوَاتِي
يَبكِي (الوُجُودُ عَلَى رُؤَايَ) لِأَنَّنِي
مَاءٌ تَحَجَّرَ دَاخِلَ القَطَرَاتِ
لَم يَعرِفِ المَنفَى غَرِيبًا مِثلَمَا
عَرَفَت هَزَائِمُ غُربَتِي قَسَمَاتِي
خَلفَ الجِدَارِ رَأَيتُ وَجهَ نِهَايَتِي
يَرنُو إِلَيَّ بِأَبشَعِ النَّظَرَاتِ
تَحتَ الرَّمَادِ طَوَيتُ كُلَّ قَصَائِدِي
وَكَتَمتُ بِالرَّملِ الكَئِيبِ صَلَاتِي
صَمتُ المَقَابِرِ لَا يُعَادِلُ وَحشَتِي
أَنَا سَيِّدُ المَنفَى بِلَا رَحَلَاتِ
عَطَشُ السُّكُونِ يَمُصُّ نَبضَ حَنَاجِرِي
وَيُمِيتُ صَوتَ الرِّيحِ فِي الفَجَوَاتِ
مَاذَا تَبَقَّى مِن مَلَامِحِ هَيكَلِي
وَتُرَابُ هَذَا الدَّربِ يَشرَبُ ذَاتِي؟
نَزَعَ الزَّمَانُ عَقَارِبًا مِن وَجهِهِ
لِيُشِلَّ نَبضَ العُمرِ فِي اللَّحَظَاتِ
شَبَحٌ أَنَا، تَعِبَ اليَقِينُ بِرِحلَتِي
وَتَنَاثَرَت فِي القَفرِ كُلُّ صِفَاتِي
مُتَجَرِّدًا مِن كُلِّ شَيءٍ، حَامِلًا
عَدَمًا يَسِيلُ عَلَى فَمِ الكَلِمَاتِ
عَمِيَت عُيُونُ الدَّربِ عَن خُطُوَاتِنَا
وَتَكَسَّرَت بِالخَوفِ كُلُّ لُغَاتِي
لَم يَبقَ عِندِي غَيرُ نَبضٍ ذَائِبٍ
يَشكُو مِنَ الإِعيَاءِ لِلنَّبَضَاتِ
مِن (فَرطِ هَذَا التِّيهِ) طَأطَأَ رَأسَهُ
شَجَرُ الغُيُومِ، وَمَاتَ فِي الخَلَوَاتِ
بَلَعَت جُيُوبُ الرِّيحِ آخِرَ هَمسَةٍ
كَانَت تُسَافِرُ فِي دَمِ الصَّرَخَاتِ
سَقَطَت نُجُومُ اللَّيلِ فِي هُوَّاتِهَا
يَأسًا مِنَ الإِشرَاقِ فِي السَّكَرَاتِ
أَنَا ذَلِكَ العَدَمُ الَّذِي ضَيَّعتُهُ
لِأَذُوبَ مِثلَ المِلحِ فِي العَبراتِ
حافظ الشرعبي
@المتابعون