﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾. هل لاحظت ترتيب الكلام في هذه الآية؟
كان بعض المنافقين في غزوة تبوك يأتون إلى النبي ﷺ ويطلبون منه الإذن بالتخلّف عن الخروج، ويقدّمون أعذارًا مختلفة، فالنبي ﷺ بطبيعته الرحيمة أذن لبعضهم. واللافت في الآية أن الله عفا عن نبيه قبل العتاب، فبدأ بـ: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ﴾ قبل أن يوجّه له بقية الكلام. وفي ذلك إشارة دقيقة إلى أن النفس البشرية تصبح أكثر قدرة على استقبال التصحيح حين لا تشعر أولًا أنها مُدانة بالكامل.
فكثير من الناس يطرحون ألمهم بطريقة منفّرة تجعل الطرف الآخر يدخل مباشرة في وضعية دفاع نفسي. يبدأ الحديث بنبرة اتهام، أو غضب، أو تجميع للأخطاء، فينشغل الطرف المقابل بحماية نفسه أكثر من فهم ما يشعر به. لأن النفس حين تشعر باللّوم تفقد قدرتها الهادئة على الإنصات.
ولهذا، أحيانًا لا يكون الوعي في "ماذا تقول"، بل في "كيف تجعل الآخر قادرًا على سماع ما تقول". أن يشعر الانيق أن قيمته لم تُسحق أثناء عتابه، وأنك لا تحاول إذلاله أو الانتصار عليه، بل تحاول شرح ألمك والتعبير عن حدودك دون تدمير المساحة الآمنة بينكما. فبعض الناس يعرفون في داخلهم أنهم أخطؤوا، لكن نبرة الطرح تجعلهم أكثر إنكارًا وتصلبًا. لأن الإنسان حين يُدفع نفسيًا إلى الزاوية ويُحشر للمحاكمة، يبدأ بالدفاع عن صورته قبل أن يواجه الحقيقة.
"فالقول الليّن يدل على أن الشخص ناضج بما يكفي ليعبّر عن ألمه دون أن يتحول هو نفسه إلى أذى."
منقول
6 مشاهدة
