صوت الجزائر الحرة ومعركة الأثير
ولد المجاهد والإعلامي الفذ محمد عيسى مسعودي في 12 ماي 1931، ونشأ في أحضان عائلة فلاحية بسيطة بقرية المساعيد التابعة لبلدية العامرية بعين تموشنت، وهي المنطقة التي كانت تقع ضمن نطاق المنطقة الخامسة بسيدي بلعباس بالولاية التاريخية الخامسة. بدأ مسيرته المعرفية بحفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ اللغة العربية في الكتاتيب والمدارس القرآنية، قبل أن ينتقل إلى مدرسة الفلاح ليتتلمذ على يد الشيخ الزموشي. وفي عام 1946، شد الرحال إلى قسنطينة ليلتحق بمعهد الإمام عبد الحميد بن باديس، حيث قضى ثلاث سنوات من التحصيل العلمي، تلتها رحلة علمية أخرى إلى تونس لمتابعة دراسته في جامع الزيتونة العريق، الذي نال منه شهادتي الأهلية والتحصيل، مسيراً على خطى جده أسامة مسعودي الذي كان أستاذاً هناك.
شهدت تونس بدايات النشاط السياسي والطلابي لعيسى مسعودي؛ حيث انخرط في صفوف حزب حركة الانتصار للحريات الديمقراطية، وتميز بنشاطه الديناميكي الذي أهله لتولي رئاسة جمعية الطلبة الجزائريين بتونس عام 1956. وفي نفس العام، التحق رسمياً بصفوف الثورة التحريرية المباركة، حيث تولى الإشراف على انطلاق برنامج صوت الجزائر العربية من داخل الإذاعة التونسية. ولم يلبث أن سلم المشعل لرفيقه محمد بوزيدي، لينتقل إلى الحدود الغربية مقاتلاً بكلمته وصوته في الإذاعة السرية لجيش التحرير الوطني، المعروفة بـ "صوت الجزائر الحرة" ليخوض بذلك معركة الأثير ضد معركة السلاح.
وكانت العبارات الأولى لانطلاق بث الإذاعة السرية: "هنا إذاعة الجزائر حرة مكافِحة.. صوت جيش التحرير وجبهة التحرير الوطني يخاطبكم من قلب الجزائر"، بمثابة تحدٍّ كبير للاستعمار الفرنسي، الذي سعى بكل الطرق إلى وأد الثورة. وفي ظرف وجيز، استطاعت هذه الإذاعة عبر أمواجها الأثيرية أن تكون الذراع الإعلامية التي ساهمت في تحقيق حلم المجاهدين بالدفاع عن القضية الجزائرية العادلة وبعث الثقة في نفوس الثوار والمجاهدين، وذلك بفضل المساهمة الكبيرة للراحل عيسى مسعودي في إيصال صدى الثورة الجزائرية إلى الخارج، حيث كان صوته القوي مؤثرًا للغاية.
وهناك، تولى رئاسة تحريرها وصار أشهر مذيعيها على الإطلاق، حيث تميز بأسلوبه الحماسي الفريد، وتفاعله الوجداني العميق أثناء التعليق على الانتصارات العسكرية والأحداث السياسية، مدفوعاً بوطنية جارفة جعلت قيادة الثورة تنظر إلى هذه الإذاعة السرية بوصفها الولاية التاريخية السابعة.
واصل مسعودي مسيرته النضالية عبر أثير الإذاعة، لينتقل في 12 جويلية 1959 إلى إذاعة الناظور بالمغرب بعد التحاقه بجهاز اللاسلكي التابع لجيش التحرير الوطني، ليعين بها مذيعاً ومسؤولاً في إذاعة الجزائر الحرة المكافحة. وفي أكتوبر 1961، عاد مجدداً إلى تونس للإشراف على صوت الجزائر، حيث كان يعد ويقدم حصتين أسبوعيتين، مدة كل منهما 15 دقيقة. كان لصوته الهادر أثر بليغ وفوري في شحذ همم المقاتلين في الجبال ورفع معنويات الشعب الجزائري، حتى قال عنه الرئيس الراحل هواري بومدين إن صوت عيسى مسعودي شكل نصف الثورة. وبعد انتزاع الاستقلال، نال شرف أن يكون أول مدير عام للمؤسسة الوطنية للإذاعة والتلفزيون الجزائري، كما واصل خدمة وطنه في المحافل الدولية بشغله منصب سفير للجزائر في عدد من دول الخليج العربي، إلى أن وافته المنية في 14 ديسمبر 1994، تاركاً خلفه سيرة عطرة وإرثاً إعلامياً وثورياً خالداً.
#مجتمع
#تاريخنا
#المجد_والخلود_لشهدائنا_الأبرار
7






