هكذا يولدُ المرء قطعةً موزعةً في مهبّ الأيام تتنّاثرهُ رياح الشتات حتىٰ يدركُ ذات يوم أن عليه أن يلمس روحه بأصابعه قبل أن تذروها الظنون، فقد كان الجسد أشبه بأحجية عتيقة تتساقطُ أجزاؤها في عتمة الطُرقات المنسية بينما يقفُ الحنين حارساً علىٰ أبواب الذاكرة يرصد ما تكسر وما تبقىٰ ، وحينَ تفرّقت خُطاه بينَ مخاوف الغياب ونداءات الحضور وجدّ نفسه مُحاطاً بخريف داخلي يمتدُّ علىٰ أفق أصفر شاسع لا عتبة فيه ولا مفرّ سوىٰ الغوص في أعماق الباطن لإعادة ترتيب ما أفسدته الحياة مِنْ تفاصيل، ألم تكن الرحلة برمتها سوىٰ محاولة مُستميتة لردم ذلك الفراغ الغائر في منتصفِ الروح حيثُ تتكدس الأسئلة بلا جواب وحيث تلتهم العتمة أطراف الحلم قبل أن يستوي علىٰ ناصفة اليقين، وقف شامخاً رغم التصدع يرفع إلىٰ صمت السماء آخر قطعة نجاة تلك التي حُفرت عليها ملامحه الأولىٰ قبل أن تشوهها مساحيق الأيام وثقل الهزائم، لَمْ يَگُنْ البحث عَنْ القطعة المفقودة عبثاً بل كان طقساً وجودياً مُقدساً لإعادة ترميم كينونة مزقتها الخيبات فكل شقّ في الجسد كان نافذة ينفذ منها النور وكل قطعة تُعاد إلىٰ مكانها الصحيح كانت تعيدُ صياغة المعنىٰ وتمنح الملامح شعلة جديدة من الحياة، وما بينَ ذهول الصمت وإشراقة الوعي أدرك أن الإكتمال ليسَ سوىٰ صُلح طويل بينَ الإنسان ونقائصه وأن الإنسان إنما يُبنىٰ بالصبر ويهترئ بالإنتظار لكنه يبقىٰ الكائن الوحيد القادر علىٰ جمع حُطامه بيديه ليعود كالبدر تاماَ بعد محاق طويل، هكذا إستوت الأُحجية وأكتملت الدائرة وهدأ روع الروح بعد طول لجاجةً وكأن شيئاً عظيماً قد إستقر في نصابه الأبدي علىٰ أديم هذا العالم الفسيح.
#إيالاڤيا#مجتمع#جنونِ#لاڤينيا_عيسىٰ
ما أريدُه:
هواءً نقياً لا يُحمَّلُ برائحةِ الغيابِ وثقلِ الأيام،
وما أحتاجُه:
جرعةُ أكسجينٍ واحدةٍ تُنقذني من هذا الاختناقِ الطويل.. قبلَ أن يفوتَ الأوان.
ما أبتغيه:
لحظةُ صمتٍ أبديةٍ لا يشوبُها صخبُ البقاءِ، ولا تُعكِّرُ صفوَها خُطىٰ العابرين،
وما تكفيني:
حفنةُ ترابٍ باردٍ تُطفئُ حرائقَ هذا الصَّدرِ المُمزَّقِ.. قبلَ أن يتحوَّلَ الجسدُ إلى رمادٍ منسيّ.
ما أرجوه:
غرقٌ طويلٌ في عتمةِ العدم، حيثُ لا عيونٌ ترقبُ السقوط، ولا ذاكرةٌ تحرسُ الأسماء
وما أستحقه:
نهايةٌ هادئةٌ تطوي صفحةَ هذا العناءِ الأخير.. قبلَ أن يبتلعَ الظلامُ ما تبقىٰ مِنْ الروح.
ما أتمناه:
سكتةٌ مفاجئةٌ تُطفئ صخبَ الذاكرة، وتقطعُ حبلَ الوصلِ بيني وبين هذا العالم
وما أستحقه تماماً:
نسيانٌ تامٌّ لا يترك خلفه أثراً، ولا يحملُ أسمي فوق شفاهِ أحد.. كي تنتهي الحكايةُ هنا بسلامٍ أبديّ.
ما أطلبه:
بقعةٌ ضيقةٌ تحتَ الثَّرىٰ، لا يصلُ إليها صدىٰ الأيام، ولا تطؤها أقدامُ الشاهدين
وما أنتظره:
طبقٌ خفيفٌ مِنْ الترابِ يُواربُ بابَ الحياةِ إلىٰ الأبد.. لينامَ ما تبقىٰ مني في سكونٍ لا يُزعجه أهوالُ البقاء.
#إيالاڤيا#مجتمع#جنونِ#لاڤينيا_عيسىٰ#لا_شيء_اللاشيء
إضطرابْ //
سقطت ثلوج نوفوسيبيرسك الرمادية علىٰ عتبة الباب المُعلق في الهواء منذُ خمسة أعوام وأنا أُعدُ الفودكا مِنْ عظام الذئب الذي لم يمت تماماً بل تحول إلى ساعة حائط تُتكتگ بصوت ماما وهي تنظف الأسماك في الفراغ الكوني المُمتد خلفَ شباك المطبخ المُحطم منذُ أن غادر ديميتري تاركاً ظله مرسوماً باليود علىٰ الجدار المائل نحو الشرق حيثُ تبدأ سيبيريا بالإنصهار في شاي الحائط البارد الذي كنتُ أرتشفه قطرة قطرة طوال شهور الشتاء التي لا تنتهي لأنها لا تبدأ أصلاً بل كانت مُعلقة كمعطف عتيق علىٰ مشجب في ممر الذاكرة المُمزقة إلىٰ شرائح رفيعة مِنْ لحم الغزال المُجفف الذي علمني ديميتري كيف أقطعهُ بسكين مكسورة النصل بينما كانت السماء تُمطر غباراً أحمر يُغطي بساتين البتولا التي تئن كلما إقتربت منها لأعتذر للقطة التي قتلتها في حلم سأحلمه غداً أو ربما قبل أن أولد في تلك الكنيسة الخشبية المُحترقة حيثُ ألتقينا للمرة الأولىٰ وكانت ترتدي معطفاً من فرو الدب ينزف عصافير ميتة تساقطت علىٰ قدمي الحافيتين فوق الجليد الصخري بينما كانت تروي لي قصة الفلاح الذي إبتلع نهراً كاملاً فبات يمشي وبطنه يُخرر كطاحونة مهجورة تطحن عظام أجداده الذين لم يغادروا قاع البئر المُظلمة التي أستحمُ فيها كل ليلة لأغسل وجهي مِنْ رؤيا القطار السريع الذي يمر داخل جمجمتي بلا توقف ناثراً شظايا الفحم المُشتعل في مخيلتي التي تشبهُ سهوب أوروستشا الخاوية إلا مِنْ صراخ بعيد يحمل أسمي ويطويه في لفافات التبغ الكريهة التي كان يُدخنها فوق جثتي المُمددة علىٰ طاولة المطبخ بينما أراقب السقف وهو يتساقط طحيناً أسود أخبز منه خبزاً مراً أطعمه للغراب الذي يسكن في تجويف صدري وينقر قلبيِّ كلما تذكرت كم كانت يد ديميتري ثقيلة وباردة ككتلة مِنْ الجليد الأزرق المُقتطع مِنْ نهر أوب العظيم الذي جمدته الذكريات فصار مرآة طويلة نمشي عليها نحو لا مكان ونحنُ نرتجف مِنْ غضب العالم الذي يتسعُ كلما ضاقت الغرفة وأنكمشت الجدران حتىٰ أصبحت تُطبقُ علىٰ أنفاسي كأنها كفين مِنْ حديد صدئ يعتصمان ببعضهما فوق عُنقي الملتوي كجذع شجرة عجوز في أقصىٰ الشمال حيثُ لا يجرؤ النور علىٰ الوصول إلا مُتخفياً في ثياب إمرأة عمياء تبحثُ عَنْ إبرة ضاعت في جوف عاصفة ثلجية لا ترحم ولا تترك خلفها سوىٰ صمت أبيض كثيف يشبه وجه ديميتري وهو يبتسمُ لي للمرة الأخيرة قبل أن يتحول إلىٰ صرخات مُتقطعة في الراديو القديم الذي لا يبث أثيراً سوىٰ رياحُ سيبيريا العجوز وهي تحكي للأشجار الميتة كيف تنتهي الحكايات حينَ لا يبدأ أبطالها بالظهور أبداً !! /
#إيالاڤيا#مجتمع#جنونِ#لاڤينيا_عيسىٰ#مجتمع_راقي
أنا أقفُ هُنا واللاشيء يلتصقُ بجلدي كغبار قديم لا أعرف متىٰ سقط ولا مِنْ أينَ جاء لكنه ثقيل ثقيل لدرجة أن الجدران تنكمش كلما تنفست كأنها تريد إبتلاعِ أو ربما أنا التي تنكمش وأذوب في هذا الطين الرمادي الذي يملأ زوايا الساحة بينما الساعة لا تُكتك بل تتنفس بصوت لزج يُذكرني بالوقت الذي مضىٰ والذي لم يأتِ لأن الحاضر مُمزق تماماً ومُبتلَّع في فجوة بينَ الثانية والثانية أراها تتسعُ وتضيقُ أمام عينيَّ كعين قطة ميتة لا تنتهي الأفكار تتساقطُ مِنْ رأسي مثل خصلات شعر عجوز في مهب ريح داخلية لا هواء فيها سوىٰ صمتْ أصفر وبطيء يتسرب مِنْ تحتِ الباب ليُغطي قدمي ويجمدهما حتىٰ أصبح جزءاً مِنْ الأرضية الخشبية المُتآكلة التي تحمل أثري القديم وتئن كلما حاول ظلّي أن يتحرك وكأن الظلال أصبحت ثقيلة هي الأخرىٰ ومُحملة بوجوه لا أعرف لمن توحي هل هي وجوهي التي سقطت مني في ممر طويل مشيته في حلم بعيد أم هي وجوه الأشياء التي نظرتُ إليها طويلاً حتىٰ هربت مني وأستقرت هُنا علىٰ الجدران الباردة التي ترشح رطوبة تشبه الدموع الباردة التي لا تبكي بل تتجمع في كفوفي المفتوحة كحفر صغيرة يابس فيها طين الأيام التي تشابهت لدرجة أن الأمس هو الغد والغد حدث وأنتهىٰ قبل أن يبدأ وأنا هُنا معلقة بينَ حبل مرئي وغير مرئي يشدُني إلىٰ الأسفل حيثُ لا شيء سوىٰ صدىٰ صوت بعيد يُناديني بإسم كنتُ أحمله قبل أن يتآكل ويذوب في فمِ الظلمة التي تبتلع الحروف كلما حاولت أن أقول أنا فأجدني لستُ سوىٰ بقعة باهتة علىٰ حافة الوجود تذوبُ ببطء شديد ودون أي صوت يزعج هذا السكون الثقيل المُطبق علىٰ الصدر والروح معاً.
#إيالاڤيا#مجتمع#جنونِ#لاڤينيا_عيسىٰ#مجتمع_راقي