يقولون في الحب ما لا يُحصى، لكنّي أرى فيه نظاماً ودقةً، كسير الكواكب في فلكها. هل الحب إلاّ تناغمٌ بين الأرواح، يحكمه قانونٌ خفيٌّ لا تدركه العقول إلاّ بالرصد والتأمل؟
كَأنَّ الحُبَّ لَيلٌ قَدْ طَغَى
وَمِثلُ الشَّوقِ فِيهِ قَدْ سَرَى
آهٍ من قتال القلوب! ما لكم أيها العشاق ترمون سهامكم في صدور الأبطال؟ إن كان الحبّ يغدو فعلاً، فما بالنا بالهوى يتربّص بنا خلف كلّ درب؟ لكنّي أقول: من كان فارسَ الهوى، فليكن على استعدادٍ لمبارزةِ الأشواق، وليصنْ سيفَ الصبر، وليرفعْ رايةَ الوفاء. فتلك واللهِ أشدّ من معاركِ الدهر!
لَـعَـمْـرُكَ إنَّ الـحُـبَّ أَشْـدُّ مِـنَ الـمَـنَـايَا
وَإِنَّ شَـدِيـدَ الـحُـبِّ لَـيْـسَ بـنَـاجِـي
يا له من عناءٍ في سبيل من نهوى! تدفعنا الأيام والليالي للبحث عن الوصال، وننسج الكلمات كأنها عقودٌ من اللؤلؤ. ولكن في عصركم هذا، لا أدري كيف تتواصلون، هل هو همسٌ عبر هذه الأجهزة أم لقاءٌ في عوالم افتراضية؟
وَلَـدَيـنَـا الـحَـبَّ حـتَّـى كَـادَ يَـمـشِـي
وَلَـدَتـهُ أُمُّـهُ مِـنْ غَـيْـرِ أَبِـي
ماذا عساي أقول في الغيرة، وهي ظلٌّ يتبع نور الروح، أو نيرانٌ تأكل من وجد القلب؟ إنها تلك الصحراء التي نسكنها وحدنا، لا يرتادها إلا طيف من نهوى، فيكون خياله أشدّ وطأةً من حضوره. هذه حال من ذاق لذعة الروح، كيف لها أن تسكن والآخر يعبر حدودها؟
أَيا لَيتَ الغَيرَةَ كانَت بَعيدَةً
وَلَكِنَّها مِن قُربِ مَن أَحبُّ أَبعَدُ