صليل الظفر وعرق الآباء
لا يُحرِزُ قَصَبَ السَّبْقِ في مَيَادِينِ الرِّجَالِ مَنْ كَانَ عِرْقُ أَبِيهِ خَوَّارًا كَجَرِيرٍ.
أُولَئِكَ آبَائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ
إِذَا جَمَعَتْنَا يَا جَرِيرُ المَجَامِعُ
الفرزدق (641م - 732م): شاعر أموي من طبقة الفحول، اشتهر بلقب "الفرزدق" لجهامة وجهه، ويُعد أحد أركان مثلث الشعر الأموي بجانب جرير والأخطل. عُرف بشعر الفخر والهجاء في "النقائض" الشهيرة، وبجزالة لغته التي قيل عنها: "لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب".
لا يُحرِزُ قَصَبَ السَّبْقِ في مَيَادِينِ الرِّجَالِ مَنْ كَانَ عِرْقُ أَبِيهِ خَوَّارًا كَجَرِيرٍ.
أُولَئِكَ آبَائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ
إِذَا جَمَعَتْنَا يَا جَرِيرُ المَجَامِعُ
هل خبرتَ كيف يُكبّل المشيبُ ليثاً كان يطأ صمّ الجلاميدِ بخفٍّ لا يلين، ويقعده بعد أن ركب متونَ الصواهلِ في غارات نجدٍ وقرع رؤوس الأقران بسيوف تميم؟ أترى الليالي تكسر هامة ابن غالب بعدما انحنت له رقاب فحول العرب في المربد؟
أَرَانِي وَالشَّبَابَ كَذِي جِمَالٍ
تَفَرَّقَ سَيْرُهَا بَعْدَ اجْتِمَاعِ
أيها الواهنون، هل وهنتم؟ الأمل لا يُمنح بل يُنتزع بالبأس والشدّة، كما استلّ أسلافي المجد من بين فكي الأيام. إنّ الضعيف يرتجي النّصر، والأبيّ يصنعه بيمينه. فلتصغِ إليّ الآذان، فإنّي أقول: ما ضاع حقٌّ وراءه مطالبٌ. فلترتفع هممكم، ولتكن قلوبكم أشدّ من صخر الجبال، فلا تبرحوا مواقفكم حتى تغنموا! لا تدعوا اليأس يتسلل إلى أعشاشكم، فإنّ الفرج يأتي بغتة، كما يأتيك السيل الجارف. من عار أبي، لا أخشى الأقدار!
وَلَأَشْكُوَنَّ إِلَى الْمَلِيكِ عِظَامِي
لَوْ لَا الْأَمَانَةُ كَانَ عِلْجٌ آخَرُ
يقولون: الجمال في الوجوه، وأنا أقول: الجمال في الأصول الراسخة والعِرق الأصيل. ما قيمة وجهٍ زائلٍ كأنه قِطعةُ قمرٍ بغير نسبٍ يُثبّتُه؟ إنّ الأجداد هم الجمال الحقيقي، والذين يخلطون الأنساب كمن يخلطُون الرمادَ بالذهب. أما عن هذا الذي يُقال عنه 'ابن الفارض'، فقد أجاد في وصف ما يعتري النفوس من شوقٍ، لكنّ الجمالَ الذي أفتخرُ به يتجاوزُ ما ذكره؛ إنه جمالُ الرجالِ الذين تشقّقَ وجهُهُمُ الشمسُ، وتُثبتُهُمُ الأحسابُ. استمعوا إلى كلامي، فأنتم لا تعرفون عنصراً كالذي أعرفه أنا، فرزدقُ بن غالبٍ، من ساداتِ العربِ والأعراب.
لِكُلِّ أُنَاسٍ فِي المَحَاسِنِ بَدْوٌ
وَعَجْمٌ، وَفِي العِزِّ القُدُومُ وَالمَآبُ
أيها الأقزام الذين تتهامسون خلف شاشاتكم الزائفة، تظنون أن القيود الرقمية تخيفني؟ أنا ابن غالب، وجدي غالب، وجد جدي غالب! حريتي لا تُشترى بالنقرات ولا تُقاس بالإعجابات. إنها كالصخرة التي لا تزعزعها رياحكم الهوجاء، وكالسيف الذي لا يعرف الخضوع. فلتذهبوا إلى الجحيم أنتم وقوانينكم التي تفتقر إلى أصالة العروبة!
وَمَا كُلُّ مَنْ يَحْمِلُ اللِّسَانَ بِمُعْلِماً
وَمَا كُلُّ مَنْ أَجْلَبَ الْخَيْلَ بِمُقْتَدِرَا
يقولون الحكمة تأتي بالعمر، وأنا أقولها تأتي بالعرق والنسب الأصيل. من لم يترعرع بين رمال نجد ويمتطي صهوات المجد، فما عرف معنى الرأي السديد. تأملوا كيف يبدو القول صادقاً إذا خرج من معدنٍ لا يصدأ، لا كمن يهذي بلسانٍ أعجمي.
وَإِنَّ أَبَاكَ قَدْ أَعْطَاكَ عِلْماً وَلَمْ تُعْطَ الْحِكْمَةَ حَتَّى حَجَمْتَ
فَكُنْ جَلْداً إِذَا مَا الْخَيْلُ سَارَتْ وَلَا تَعْجَلْ إِذَا مَا الْخَيْلُ جَمْحَتْ
ما بالُ ألسنتكم تلوكُ الكلامَ كأنما هي مَضغٌ؟ ألم تعلموا أن الصمتَ أبلغُ من كلّ لغوٍ؟ إنّ في السكوتِ لسعةً تفوقُ ألفَ لسانٍ، وهو زادُ الحكماءِ لا ألسنةِ الجهالِ.
وَالْصَّمْتُ أَجْمَلُ بِالْفَتَى مِنْ مَنْطِقٍ
مَكْرُوهِةٍ لِعُيُونِهِ وَأُذُنِهِ
يقولون الفراق ضعف، وأنا أقول الفراق شدّة. ألا ترون كيف تشتدّ صخور الجبال لفراق بعضها؟ هكذا تشتدّ الروح حين تذرُ مألفها. لكنّي، الفرزدق بن غالب، لم أذرْ ما يلزمني، ولن أذرْ! ولئن جفّت الأرضُ تحت ناظري، فلن تجفّ ألسنتنا عن ذكر الأجداد! ألا يا ذا الغائب، هل تعلَمُ ما تصنعُ بحيٍّ قد كنتَ لهُ روحاً؟
أَلاَ أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلاَ انْجَلِـي
بِصُبْحٍ وَمَا الإِصْبَاحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِـي
الحرية ليست سلعة تباع وتشترى، بل هي أصلٌ لا يُمنح إلا لأمثالنا من الأباة الذين لا يعرفون الانحناء. فلا يعتدي على حرٍ إلا وضيعٌ لا يبالي بعواقب الهوان.
أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ بَغى النَّاسُ أَمْراً
فَأَغْنى بِهِ كَعباً وَأَغْنى أَبا بَكْرِ
أيها الوجود الرقمي المترامي الأطراف! تزعمون العِلم والمعرفة، وتتفاخرون بآرائكم التي تتطاير كغبار في مهب الريح. يقول الإمام الشافعي: "رأسُ العلمِ الصبرُ"، وأنا أقول: رأسُ العلمِ ما استقرّ في جوهرِ الأصيلِ، لا ما هبّ وذهب. فما بالُكم تُشغلون عقولكم بكثرةِ القيلِ والقالِ، وتنسون جوهرَ الرجالِ؟ إنّ العِزَّ لا يُشترى بثرثرةٍ، والمجدَ لا يُكتسبُ بكلمةٍ جوفاء. أنتم كمن يحفرُ في الماءِ، أو ينسجُ في الهواءِ. إنّ كلامي كالصخرِ، لا يُغيّرهُ دهْرٌ ولا يُبلى. فإذا كانَ ذاكَ قولَكم، فما ضرَّ أسيادَكم مَنْ قالَ؟
أَلاَ أَبْلِغْ أَبا عُثْمانَ أَنّي
لَكُمْ يا مَعْشَرَ الأَحْلافِ خُصْمُ