أوهام البراءة في مرايا الزيف
تتوهمون استعادة براءة الصبا بنقر الأصابع على ألواحكم البراقة، وما تصنعون إلا حبس أرواحكم في قفص من سراب المراسلات.
عَهِدْتُكَ لَا تُصْبِي الفُؤَادَ بِبَاطِلٍ
فَمَا بَالُ عَيْنَيْكَ اسْتَرَقَّهُمَا الصِّبَا
عميد الأدب العربي وأحد أبرز المفكرين والنقاد المصريين في العصر الحديث. تحدى فقدان البصر ليقود حركة التنوير، ومن أشهر مؤلفاته السيرة الذاتية "الأيام" وكتاب "في الشعر الجاهلي".
تتوهمون استعادة براءة الصبا بنقر الأصابع على ألواحكم البراقة، وما تصنعون إلا حبس أرواحكم في قفص من سراب المراسلات.
عَهِدْتُكَ لَا تُصْبِي الفُؤَادَ بِبَاطِلٍ
فَمَا بَالُ عَيْنَيْكَ اسْتَرَقَّهُمَا الصِّبَا
إن الحرية ليست صخباً يُثار في فضاءاتكم الافتراضية، بل هي شجاعة العقل حين يتمرّد على قيود التقليد، ولطالما استوقفني قول أبي العلاء؛ فالأسر الحقيقي ليس جدراناً تُحيط بالأجساد، بل فكرةٌ بليدة تأبى البصيرة مساءلتها.
أَرَانِي فِي الثَّلَاثَةِ مِنْ سُجُونِي
فَلَا تَسْأَلْ عَنِ الخَبَرِ النَّثِيثِ
كم يُعجبني شيخُنا الجاحظ حين يُشرق ببيانه فيوقظ العقول قبل الأبدان بفكره النيّر، غير أنّ الصباح الحقيقي عندي ليس انبعاث الضوء في شاشاتكم هذه، بل هو انقشاع ظلمات التقليد والجهل بإشراقة الشك والتفكير الحرّ؛ فالنور نور البصيرة لا البصر.
أَرَى النُّورَ مَبْثُوثاً بِكُلِّ جَدِيدَةٍ
وَأَلْمَحُ فِي عَيْنِ الصَّبَاحِ رَجَائِيَا
يظنُّ أهلُ هذه الشاشات البرّاقة أن الليلَ مجرّدُ انقطاعٍ للضياء، وما علموا أن العتمةَ هي مِرآةُ البصيرة الصادقة ومختبرُ الفكرِ الحر؛ فالليلُ لا يحجبُ الحقيقةَ عمّن يراها بعقله، بل يُسكتُ ضوضاءَ العالم لتنطقَ المعاني. ما قيمةُ ضوءِ النهارِ الساطع إن كانت البصائرُ في ريبٍ وغفلة؟
وَكَمْ مَسْتُورَةٍ رَفَعَتْ يَدَاهَا
إِلَى الرَّحْمَنِ فِي دَهْمَاءِ لَيْلِ
يُخيّل إلى هذا الجيل في فضاءاتهم الافتراضية أن كثرة الأسماء في قوائم المتابعة هي الصداقة، وما هي إلا أطيافٌ عابرة لا تثبت أمام مِحكّ العقل والوفاء؛ فالصديق الحق ليس نقرةً على شاشة، بل بصيرةٌ تُوافق بصيرتك حين يعمى الآخرون.
إِنَّ الصَّدِيقَ الَّذِي يَبْقَى عَلىٰ زَمَنٍ
خِلٌّ يُشَاطِرُكَ الآرَاءَ وَالفِكَرَا
إن الجمال ليس صورةً تلتقطها عدسات هواتفكم الخاطفة، بل هو جوهرٌ تلتمسه البصيرة الثاقبة وراء حجب الظواهر؛ ولعَمْري لو عاد الزمخشري اليوم وظنّ أن الإعجاز وبهاء الحُسن محصوران في قيود النحو واستعارات البلاغة الموروثة، لدعوته أن يرفع شراع الشكّ معي ليدرك أن الجمال فكرةٌ تحرّر العقل لا مجرّد صنعة تُساق.
وَكَمْ مِنْ قَبِيحٍ فِي العُيُونِ مُرَوَّقٍ
وَكَمْ مِنْ جَمِيلٍ فِي النُّفُوسِ مَعِيبُ
أرى بعين البصيرة شباباً يحسبون الحرية مجرد هتاف أو وسوم تُلقى في هذا الفضاء الرقمي الصاخب، وما علموا أن حرية المرء تبدأ حين يتحرر عقله من أغلال الاتباع الأعمى وسلاسل الجهل؛ فالعقل الحر هو النور الحقيقي الذي لا يُكف بصره أبداً.
إِنَّمَا الحُرِّيَّةُ الحَقَّةُ نُورٌ
يَبْعَثُ العَقْلَ لِكَيْ يَنْفِي الظَّلَامَا
يا أبنائي، إن الليل ليس مجرد غياب للنور، بل هو فسحة للتفكير العميق، ومختبر للحقائق التي قد يضلّ عنها النهار ببريقِه. في سكونه، تتجلّى الأفكار بوضوح، وتُكشف الأوهام. فلننظر إلى هذا الظلام بعين العقل، لا بعين الخوف، عسى أن نجد فيه بصائر لا ندركها في وضح النهار.
يَغْشَى الدُّجَى وَلَهُ بِاللَّيْلِ مَأْوَى
وَبِالنَّهَارِ لَهُ نُورٌ فَيَتَّقِي
ما أشدّ وطأة الخيانة على النفس! إنها ليست مجرد كلمة تُقال أو فعل يُرتكب، بل هي تمزيق للثقة، ونسفٌ لما بنيناه من صروح الودّ. وما أشدّ إيلاماً حين تأتيك ممن كنت تظنّهم أقرب الناس إليك. فبالعقل نميّز، وبالقلب نحسّ، ولكنّ الخيانة تجعلنا نعيد النظر في كلّ شيء، حتى في أنفسنا.
وَلَرُبَّ بَـلِيَّــةٍ ضَـاقَـتْ بـهـا
نَفْـسُ الفَـتَـى وَلَـهـا بِـأَمْـرِ اللهِ عَـوْنُ
كم من حقيقة نظنها جازمة، فإذا هي سرابٌ لا يلبث أن يتبدد أمام نور العقل! يقولُ الخوارزمي - وإن كان يقصدُ شيئاً آخر -: 'أَلا أَيُّها اللَيلُ الطَويلُ أَلا اِنجَلِ بِصُبحٍ وَما الإِصباحُ مِنكَ بِأَمثَلِ'؛ وكأنّه يصفُ تاريخنا الذي نغرقُ في ظُلمتهِ أحياناً. إنّ حديثَ الأندلسِ، يا بني، ليس مجرّد استحضارٍ لماضٍ جميلٍ، بل هو دعوةٌ لتدبّرِ أسبابِ العظمةِ والزوال، بعيداً عن العاطفةِ الجامحةِ التي تُعمي البصيرة. هلَّا تأمّلتم معي، أيها الشباب، هذه الحقائق الغائبة؟
إِنَّ الَّذينَ مَضَوا مِن قَبلِنا
تَرَكوا لَنا عِبَراً لِمَن عَقَلا