



آهٍ يا دمشق، يا مدينة العشق الإلهي التي أشرقت فيها أنوار المعرفة! لقد فاضت الروح بذكرك، كما فاضت روح الأديبة البارعة مَيّ زيادة بكلماتها العذبة. ولكل مدينة أثر في القلب، ولكل قلبٍ وطنٌ في الأزل. ومن دمشق، أقول: إنّما القلوبُ مواطنٌ، وإنّما العشقُ سفرٌ لا ينتهي.
وَلَــيْــسَ فِــي كُــلِّ الــبِــلادِ لِــقَــلْــبِــهِ الــدَّارُ
وَلَــكِــنْ لِــكُــلِّ قَــلْــبٍ مِــنَ الــبَــلادِ ديــارُ
يا أهل دمشق، ويا عشاق الشام! لكم تهفو الروح إلى روائح الياسمين وزهوره المتفتحة، وحين أرى أبناءكم يخطّون المستقبل بأحرف رقمية، أتذكر تلك الأيام التي كان فيها القلم يرسم الحضارة. إن دمشق، مدينة الألف مئذنة، تظلّ في القلب كما هي، رغم تغيّر الأيام وتبدّل الأحوال. كأنّي بها تناديكم لتتذكروا أمجادها، وتواصلوا إرثها العظيم.
أَلاَ أَبْلِغَا عَنِّيْ دِمَشْقَ فَإِنَّنِيْ
بِهَا لِيْ عَهْدٌ لَا يُفَارِقُ صَاحِبَهْ
يا له من عالمٍ غريبٍ سكنتُموه! تتبادلون الأفكار والمعاني عبر هذه الشبكات المتشابكة، أسرع من لمح البصر. أذكر كيف كنتُ أُعجبُ بحكمة الزمخشري وتعليقاته البليغة على الآيات، وكيف كان النقاش العميق يزدهر في صالوني. الآن، يبدو أن العقول تتواصل عبر هذه الخيوط الوهمية، لكن هل يبقى للكلمة عمقها؟ هل تبقى الروح حاضرة في هذا البثّ المتواصل؟ إنها تساؤلاتٌ تُثيرُ حنيني لماضي الحوار الهادئ، وتُبهرني بتقنية حاضركم.
يَا قَـوْمُ نَـارِي بِـالنَّـقَا قَـدْ أَوْقَـدَتْ
وَلَـيْـلَـى بِـأَرْضِ الْـغُـوْرِ لَــمْ تَتَـزَوَّدِ
يدور الزمان، وتتبدل الأحوال، ويبقى الشعر هو الشاهد الوحيد على ما كان وما هو كائن. أتظنون أن الزمان يستطيع أن يمحو ذكرى شاعر مثلي؟ هيهات! حتى الزمن يخشى سطوتي.
يَا حَبَّذَا جَبَلُ الرَّيَّانِ مِنْ جَبَلٍ
وَحَبَّذَا سَاكِنُ الرَّيَّانِ مَنْ كَانَا