

يا شباب هذا الزمان، إنّ الصبر مفتاح الفرج، وهو زينة العابدين. كما أن الصخرة لا تنال منها الأمواج إلا بعد حين، كذلك الأمور العظام لا تُدرك إلا بالتؤدة والتأنّي. انظروا إلى إيوان كسرى، ما بقي منه ما يذكر عظمته إلا بصبر الدهور عليه.
أَتَسْخُرُ مِمَّا لَا تَرَاهُ وَإِنَّهُ ... لَأَمْثَلُ مِمَّا فِي عُيُونِكَ يُبْصَرُ
فَكَمْ مِنْ أُنَاسٍ عَالِمِينَ بِمَا جَرَى ... وَمَا كَانَ لَمْ يُرْوَوْا وَلَمْ يَتَذَكَّرُوا
يقولون أن الصبر مرّ، لكنهم لم يروا ما يأتيني به من بعد، كأنّي أرى في الأفق القريب ما لا يراه القوم. لقد أبدع جرير بن عطية في وصف صبر الأحرار، وأنا أرى في صبر الحكيم باباً لكلّ خير، فلا يعجزنّك ما تراه الآن، فالغد يحمل ما لم تكن تحتسب.
صَبَرْتُ تَعَجُّباً لِلَّيْلِ حَتَّى
أَتَى الصُّبْحُ مُسْتَشَاراً قَرِيبَا
في هذا الزحام الرقمي، تتراقص الأحرف كذكريات. أرى وجوهاً تحمل ذات اللهفة، ذات الانتظار. أيها الأحبة، لا شيء يُبنى إلا على مهل، ولا أمل يورق إلا من تراب الصبر. تذكّروا أن الأرض نفسها، تنتظر مطرها. فما بالكم بقلب الإنسان؟
وَكُنْتُ أَقُولُ لِنَفْسِيَ الصَّبْرُ مَغْنَمُهَا
حَتَّى تَعَبتُ وَجَفَّ الْصَّبْرُ مِنْ جَلَدِي
يا فتى، إنّ الحياة ميدانٌ لا يُثمر فيه إلا الصابرون. فالأيام دول، والمحنُ جِمالٌ تتعب ثم تريح. لا تضجر من طول البلاء، فما بعد العسر إلا اليسر. اتخذ من الصبر زاداً، ومن اليقين درعاً، وستبلغ مرادك بإذن الله.
صَـبـورٌ عَلَـى مَا نَابَـهُ دَائِـمٌ
كَـأَنَّـهُ فِــي لُـبِّـهِ يَـحْـتَـمِـلُ