نار الوشاة وضغائن النواظر
ما تصاعدت ألسنة تلك الواقعة التي خاضت فيها الألسن بالأمس إلا لأن الصدور ضاقت بحظوة فتىً لم يبلغوا شأوه.
يَغَارُونَ مِنْ فَضْلِي عَلَيْهِمْ فَيُنْكِرُوا
وَمَا كُلُّ نَفْسٍ فِي العُلَى تَسْتَوِي مَعِي
رائد مدرسة الإحياء والبعث في الشعر العربي الحديث، ولُقّب برب السيف والقلم. تولى رئاسة وزراء مصر، وأعاد للشعر العربي رصانته وقوته بعد فترة طويلة من الركود والضعف.
ما تصاعدت ألسنة تلك الواقعة التي خاضت فيها الألسن بالأمس إلا لأن الصدور ضاقت بحظوة فتىً لم يبلغوا شأوه.
يَغَارُونَ مِنْ فَضْلِي عَلَيْهِمْ فَيُنْكِرُوا
وَمَا كُلُّ نَفْسٍ فِي العُلَى تَسْتَوِي مَعِي
أرى المسافرين في ردهات المغادرة يشدّون حقائبهم كأنما يفرّون من حيفٍ أثقل كواهلهم، وتلوح في عيونهم عبرات من فارق الأهل قسراً لا طوعاً. ولئن جنح الصوفيّ فريد الدين العطار إلى التماس العدل في فناء النفس ورياض الغيب، فإنني أرى العدل سناناً يُقام به ملك الأرض قبل السماء، فما نُفيتُ إلى سرنديب إلا بذنب الانتصار له.
إِذَا مَا المَلْكُ لَمْ يَعْدِلْ فَدَعْهُ
فَلَيْسَ لِمُلْكِهِ أَبَدًا بَقَاءُ
يظنّ أهل هذا الزمان في شاشاتهم العجيبة أن الهوى كلامٌ يُرسل ورموزٌ تُبذل، وما علموا أن العشق الحقّ يُدارى كما تُدارى خُطط الجلاد؛ فالفارس لا ينكسر في وغى الحَرْب، لكنّه يلينُ أمام طَرْفٍ كحيل بكبرياءٍ صامت.
رَدَدْتُ جُمُوحَ الشَّوْقِ وَالصَّبْرُ أَعْزَلُ
وَأَخْفَيْتُ مَا أَلْقَى وَمَا كُنْتُ أَبْخَلُ
طالما أطربتني ديباجة البحتري وسلاسل ذهبه حين يصف لوعة العشاق برقة لا تدانى، غير أن الهوى عندي وقارٌ يُخالطه كبرياء الفارس؛ فما خضعتُ لسطوة الحب ضعفاً، بل هو سرابٌ يجتذب الروح وإن أثقلها بالحنين خلف هذه الشاشات العابرة.
أَبَى الدَّهْرُ إِلَّا أَنْ يَسُودَ وَضِيعُهُ
وَيَمْلِكَ أَعْنَاقَ الْمَطَالِبِ جِيعُهُ
تظنون سهركم أمام هذه الشاشات الباردة طويلاً، لكن ليل المنفى في سرنديب كان يزن جبالاً من الصبر والكبرياء. الليل لم يُخلق للهوان بل لترتيب صهيل الأفكار، ولا يعرف وحشته إلا من قارع الخطوب ونازل الدهر بسيفه وقلمه.
طَالَ بِي اللَّيْلُ وَاعْتَرَتْنِي هُمُومِي
وَتَوَلَّتْ مَسَرَّتِي وَنَعِيمِي
يا من تنشدون الجمال في زوايا الحياة، اعلموا أن بهائه الحقيقي ليس في الزخرف الباهت، بل في ما تستقرّ عليه العيون وتطمئنّ به القلوب. الجمال الحقّ هو ذاك الذي ينبع من أصالة الروح وعمق الفكر، ويترك في النفس أثراً لا ينمحي.
فَإِنَّ الجَمَالَ لِأَهلِ العُقولِ
كَأَنَّهُ لَكَفِّ الكَرِيمِ نَوالُ
ما أشدّ لدغ الخيانة في القلب، ومرارة الغدر في الروح! كأنّها سهمٌ قد أصاب الهدف، لكنّ من رمى به كان أقرب الناس إليك. يا لهذا الزمان الذي لا يأمن فيه الصديق صديقه، ولا الوفيّ لغدر غادر. لقد رأيتُ بأمّ عيني كيف ينقلب الوجه الودود إلى قناعٍ قاسٍ، وكيف تتحول الوعود إلى سرابٍ خادع. فاحذروا يا شباب، فليس كلّ ما يلمع ذهباً، وليس كلّ مبتسمٍ محبّاً.
وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
إِذَا نُصِحَ الْعَبْدُ لَمْ يَنْفَعْهُ يَوْمًا نَصِيحَتُهُ
يا فِتيَةَ العصر، إنّ الأيّامَ ميدانٌ، لا تُفلحُ فيهِ إلّا عُقُولٌ تَزِنُ الأمورَ بِحِكمةٍ وَبصيرة. فكما تُعدّ السُّيوفُ لِلَقاءِ الأعداءِ، فلتُعدّ الألبابُ لِلِقاءِ دَواهي الدّهر. هذا ما علّمتني إيّاهُ الأيّامُ، فاحذَروا غَدرَها وَتَأهّبوا لِصُروفِها.
وَإِذا نَطَقتَ بِعِزِّ نَفسِكَ صائِدًا
فَكأنَّما نَطَقتَ بِعِزِّ مُقَلَّدِ
آهٍ يا شام! كم كنتِ مهوى الألباب وغاية الآمال. في أزقّتكِ العتيقة تتجسّد أمجاد الأمة، وفي أسواركِ المنيعة تتردّد صدى البطولة. ليتها تعود الأيام التي كنا فيها نرى راياتنا ترفرف فوق قلاعكِ الشمّاء، لا مجرّد صورٍ نتناقلها عبر هذه 'الشاشات' التي ما عرفناها.
وَلَو أَنَّني أَسَرتُ بِقُبَّةٍ
بِالشَّامِ لَم أَخشَ مِنَ الأَعادي
يا أبناء وطني، إن السفر ليس مجرد رحلة في الأرض، بل هو رحلة في العقول والقلوب. فكم من مسافرٍ عاد وهو أثقلُ همّاً، وكم من مسافرٍ عاد وهو أخفُّ روحاً. إنها فرصةٌ لتزداد حكمةً وتتسع رؤيتك، فلا تحسبنّ السفرَ إلاّ لِمن طلبَ المعالي.
تَغَرَّبْ عَنِ الأَوْطَانِ فِي طَلَبِ العُلَا
وَسَافِرْ فَفِي أَسْفَارِهِ الكَشْفُ لِلْفَتَى