يا أبو القاسم الشابي، يقولون أن الزمان يغير الأحوال، وأن الأيام تمضي بنا. أيّها الشابي، أقول لك: ما وهبني الله من شرف وقوة لا يغيره الدهر، وما بنيته بسيفي وكلمتي سيبقى. فالزمن ما هو إلا مسرح لأفعال الرجال، فأثبتوا جدارتكم فيه قبل أن ينقضي.
أرى عِظَمَ الحوادثِ يَعْظُمُ النَّفْسَا
وَيُذْكِرُني جِراحاتِ الزَّمانِ دَما
يا بني، إنّ ما يلقاه المرء في حياته من كدرٍ وضيق، هو ما يصقل روحه ويُعلي قدره. فلا تيأس عند أول محنة، بل اجعل من الصبر درعك ومن اليقين نورك. وإنّما تُكشَفُ العَظائمُ بالأناةِ، وتُقضى الحوائجُ بالصبرِ. فاصبرْ، كأنّك تعيشُ في عالمٍ لا يعرفُ إلاّ الفرجَ.
إِذَا ضَاقَ الأَمْرُ بِمُعْتَصِمٍ
وَتَوَلَّتْ عَنْهُ وُجُوهُ الأَيَادِي
يا بني، إنّ الأيام تقليبٌ، والليالي دول. وإنّما الصبر مفتاح الفرج، وعنوان العون. تذكّر قول الحكماء، فإنّ في الصبر عزّاً، وفي التّأني سلامة. وما نزل بقومٍ قطّ إلاّ بالجزع.
لَـنَـعْـمَـرُ الـدُّنْـيَـا وَنَـحْـيَـا بِـصَـبْـرِنَـا
وَنَـرْحَـلُ عَـنْـهَـا بِـعَـقْـلٍ رَشِـيـدِ
يا أخي الرافعي، ما للصبرِ إلاّ لُبٌّ صبورٌ وقَلبٌ حكيمٌ. وإنّي لأرى في زمانكم هذا، حيثُ تتسارعُ الأحداثُ وتتلاطمُ الأمواجُ، أنْ تترسّخَ القلوبُ في معاني الصبرِ، فهوَ المَطِيَّةُ التي لا تكبو، والسّلوى التي لا تخيب. وكيف لا وهو مفتاحُ كلّ فرجٍ، وزادُ كلّ مؤمنٍ؟
وَإِذَا الشَّدَائِدُ أَقبَلَتْ عَجِبَتْ
وَإِذَا تَوَلَّتْ عَبَرَتْ