من أخميم إلى بغداد.. حكاية الصوفي المصري الذي حيّر العلماء وأصبح من كبار أعلام التصوف الإسلامي
في صعيد مصر في قلب محافظة سوهاج، وتحديدًا في مدينة أخميم، وُلد قبل أكثر من 1200 عام رجل لم يكن اسمه عابرًا في كتب التاريخ، بل أصبح واحدًا من أشهر الشخصيات التي ارتبطت ببدايات التصوف الإسلامي، حتى امتد تأثير أفكاره إلى أجيال من العلماء والمتصوفة بعد وفاته.
إنه أبو الفيض ثوبان بن إبراهيم، المعروف باسم «ذو النون المصري»، الشخصية التي جمعت بين الزهد والعلم والتأمل، وأثارت أفكاره جدلًا واسعًا في عصره، حتى وصلت شهرته إلى بغداد، عاصمة الخلافة العباسية آنذاك.
أخميم.. بداية الحكاية
تذكر المصادر التاريخية أن ذا النون المصري وُلد بمدينة أخميم في صعيد مصر، نحو عام 155 هجرية، الموافق 772 ميلادية، وقيل إن أصول أسرته تعود إلى النوبة.
وكانت أخميم في ذلك العصر مدينة عريقة، لها مكانة علمية وتجارية وتاريخية، وامتد تاريخها إلى عصور مصر القديمة، وهو ما جعلها بيئة مختلفة نشأ فيها عدد من الشخصيات التي تركت أثرًا في التاريخ المصري.
نشأ ذو النون محبًا للعلم والعبادة، واتجه إلى دراسة الحديث ومجالسة العلماء، ثم اشتهر بالزهد والتأمل في معاني الإيمان والنفس الإنسانية.
لماذا لُقب بذي النون؟
ارتبط لقبه بقصة مشهورة نقلتها كتب التراث، تقول إنه كان على متن سفينة، وفُقدت إحدى الجواهر الخاصة بأحد التجار، فاتهمه الموجودون بسرقتها وعاملوه بقسوة.
وتروي الحكاية أنه رفع يديه بالدعاء إلى الله، فظهرت أسماك كثيرة على سطح الماء، يحمل كل منها جوهرة، فأدرك الناس براءته.
ومن هنا ارتبط اسمه بلقب «ذي النون»، أي صاحب الحوت أو السمكة.
لكن من المهم الإشارة إلى أن هذه القصة وردت في كتب المناقب والتراجم المتأخرة، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها واقعة تاريخية مثبتة، وإنما هي من الروايات التي أحاطت بشخصيته عبر القرون.
الرجل الذي تحدث عن أسرار النفس ومعرفة الله
لم تكن شهرة ذي النون المصري قائمة على الزهد وحده، فقد عُرف بأقواله في معرفة الله والتوبة والإخلاص ومجاهدة النفس.
ويُنسب إليه أنه كان من أوائل من تحدثوا في مصر بصورة منظمة عن الأحوال والمقامات في التصوف، وهي المفاهيم التي أصبحت لاحقًا من الموضوعات الأساسية في كتب هذا المجال.
وكان يرى أن الطريق إلى إصلاح الإنسان يبدأ من معرفة عيوب نفسه، ومراقبة أفعاله، والابتعاد عن الرياء والغرور.
وقد اهتمت كتب التراث بأقواله وحكمه، ونقلت عنه عبارات في المحبة والخوف والرجاء والتوبة، وأصبحت شخصيته من الشخصيات الأساسية التي تناولها مؤرخو التصوف.
من أخميم إلى بغداد.. اتهامات ومحنة أمام الخليفة
لم تمر أفكاره دون جدل، فقد تعرض ذو النون لاتهامات بسبب بعض آرائه ومصطلحاته المتعلقة بالتصوف، واعتبر بعض معاصريه أن ما يتحدث عنه من معارف وأحوال روحية أمر غير مألوف لديهم.
وتذكر كتب التراجم أنه استُدعي إلى بغداد في عهد الخليفة العباسي المتوكل، بعد أن أثيرت حوله اتهامات، وأنه وقف أمام الخليفة وشرح أفكاره.
وتروي المصادر أن المتوكل استمع إليه وأعجب بكلامه، وأكرمه ثم أطلق سراحه، فعاد إلى مصر.
وهذه الواقعة من أشهر المحطات المرتبطة بسيرته، وتوضح حجم الجدل الذي أثارته أفكاره في عصره.
هل كان عالمًا في الكيمياء والطب؟
من أكثر الجوانب إثارة في شخصية ذي النون المصري ما نُسب إليه من اهتمام بالكيمياء والطب ومعرفة علوم القدماء.
فقد ربطت بعض كتب التراث اسمه بعلوم الصنعة والكيمياء، ونسبت إليه مؤلفات في هذا المجال، كما ظهرت روايات تتحدث عن معرفته بأسرار الحضارة المصرية القديمة.
لكن الدراسات الحديثة تحذر من قبول كل ما نُسب إليه دون تمحيص؛ إذ اختلطت سيرته التاريخية بروايات المناقب والحكايات التي ظهرت بعد وفاته بقرون.
وفي دراسة أكاديمية نشرها الباحث مايكل إبشتاين عام 2014 في مجلة Arabica، تناول الباحث التعاليم المنسوبة إلى ذي النون، وأشار إلى المشكلات التاريخية المتعلقة بسيرته، وضرورة التمييز بين شخصيته التاريخية والصورة الأسطورية التي تكونت حوله لاحقًا.
وفاته.. نهاية الرحلة وبقاء الأثر
توفي ذو النون المصري في القرن الثالث الهجري، وتذكر مصادر التراجم أن التاريخ الأرجح لوفاته هو عام 245 هجرية، الموافق 859 ميلادية، مع وجود روايات أخرى تذكر أعوامًا مختلفة.
وتشير روايات تاريخية إلى أن وفاته كانت في الجيزة، ثم نُقل جثمانه إلى الفسطاط ودُفن هناك، وسط حضور كبير من الناس.
وبقي اسمه حاضرًا في كتب كبار المؤرخين وأصحاب التراجم، ومنهم أبو نعيم الأصبهاني والسلمي والقشيري والذهبي، الذين نقلوا جوانب من سيرته وأقواله.
#مجتمع#مجتمع_عام#قصيد#شعر#أدب