واحدة مِنْ أشهر وأخلد قصائد الأدب الروسي والعالمي، قصيدة "رسالة إلىٰ الأم" (Письмо матери) لشاعر روسيا العظيم سيرجي يسينين (Sergey Yesenin)، مكتوبة بنصها الشعري المُعبر:
الرسائلُ هي وحدها الجسور الهشة التي نبنيها فوق هاوية الفراغ، لنحمل فيها أجزاء مِنْ أرواحنا المُرتجفة، علّها تعبرُ إلىٰ الضفة الأخرىٰ قبل أن يبتلعها صمتُ العدمِ الأبدي //
تتسللُ الكلمات الآن مِنْ شقوق الروح المُرتجفة لتتخذ شكل رسائل عارية مِنْ كل زيف تُرسلها الأنا التائهة في متاهات العدم إلىٰ ذات أخرىٰ تعيشُ في المرآة المُقابلة حيثُ ينفث الغراب الأسود حبر ريشه علىٰ صفحة الليل بينما تذوبُ قطرات الياسمين الباكية علىٰ عتبة نافذة لا تُهدي طارقها سوىٰ صدىٰ الريح المُوحشة كأن كل سطر هُنا هو نبض مُختلس مِنْ زحمة الوجود المُرتبك الذي لا يمنحُنا سوىٰ تساؤلات بلا أجوبة ووجوهاً تتلاشىٰ كلما أقتربنا مِنْ لمسِ حقيقتها الباردة المُحاطة بسورٍ عالٍ مِنْ الصمت المُطلق فتقرأ في الرسالة الأولىٰ كيف يتآكل المعنىٰ بينَ أطراف الأصابع وكيف يغدو الزمن مُجردَّ رمل يتدفق بلا رحمة مِنْ بينَ كفوف المرتجفين علىٰ حافة الهاوية بينما تحلق رسالة أخرىٰ في سماء مُعتمة تبحثُ عَنْ نجمة ميتة لتتخذها دليلاً إلىٰ مأوىً وهمي لا وجود له سوىٰ في مخيلة هذيان جماعي يكتبُ تفاصيله الغراب والياسمين معاً في غرفة مُغلقة لا تفتح أبوابها إلا علىٰ الهاوية حيثُ تتوالد الرسائل مِنْ رحم الفراغ لتموت قبل أن تصل إلىٰ destinataire مُفترض لأن الجميع هُنا غرباء يسكنون في لُغة واحدة لا يفهمها احد سوىٰ الصدىٰ المُتردد في جدران الذاكرة التي تُحصي خطواتنا الخائفة نحو العدم الأبدي.
#مجتمع#إيالاڤيا#لاڤينيا_عيسىٰ
يتسربُ الضباب الرمادي مِنْ شقوق النوافذ الخشبية القديمة ليُطلي الجدران ببللِ الموت البطيء بينما تتثاءب الساعات المكسورة في ركن الغرفة المظلمة علىٰ إيقاع قطرات المطر الحادة التي تضرب الزجاج المتهالك كأصابع هيكل عظمي يطرق باباً أغلق إلىٰ الأبد فلا مرآة تعكسُ سوىٰ وجوه شطبتها أطياف الغياب ولا عيون تترقب مجيء الغد لأن الغد ليسَ سوىٰ تكرار عقيم لأمس تيبست أطرافه تحتَ تراب الذاكرة العتيقة حيثُ يمتزج صمت الجدران المُتقدمة بأنفاس ثقيلة تشبهُ حشرجة الروح وهي تُفارق الجسد مُرغمة لا مختارة في مدينة يبتلعها ليل أزلي لا ينتهي ولا تشرق شمسه أبداً بل يكتفي بأن يبدل ألوانه مِنْ سواد حالك إلىٰ رماد متبلور ينثر صقيعه فوق الروؤس المنحنية نحو الأرض كأنها تبحثُ عَنْ قبرها المنسي وسط زحام الفراغ المُطبق الذي يلتفُّ حول الأعناق كأفعىٰ باردة لا تعرف الرحمة ولا تنطق بغير لُغة الوجع المُطلق الذي ينهش الأحشاء بصمت دؤوب لا يتوقف ليلاً ولا ينهض نهاراً لأن النهار هُنا مُجردَّ وهم صاغه العقل ليُطيل عذاب الإنتظار فوق أرصفة مُقفرة لا يطؤها حاف ولا راكب سوىٰ ظل هزيل يجرُ خلفه بقايا هيكل مُحطم أنهكه الترحال في دروب لا مخرج منها إلا إلىٰ الهاوية التي تفتح أحضانها بلا صوت مُستدرجة كل خطوة نحو السقوط الأبدي في لُجة العدم الموحش حيثُ لا فرق بينَ نبض يتوقف وجدار يهوي سوىٰ ومضة ألم خافتة تخترق الظلمة ثم تنطفئ للأبد دون أن يلتفت إليها أحد أو يذرف لأجلها دمعة واحدة في عالم خلا من الروح وبقي الهيكل المُترهل يجر أذيال خيبته فوق ركام الأيام الميتة وكأن الوجود بأسره ليسَ إلا مسرحاً ضيقاً لعرض طويل ومُمل يُعاد كل ليلة بذات الديكور البائس وبذات الوجوه الشاحبة التي فقدت ملامحها بفعل التآكل والإنتظار الطويل حتىٰ صار العبث قانوناً يحكم نبضات القلوب ويقود الخُطىٰ نحو الختام المحتوم الذي لا بديل عنه ولا مفر مِنْ ملاقاته حينَ يكتمل الفصل الأخير وتطبق الستارة الثقيلة فوق كل شيء ليغرق الكل في صمت سرمدي ثقيل لا يعقبه بعث ولا حساب ولا حتىٰ ذكرىٰ باقية علىٰ شفة ريح تائهة في البراري الموحشة!!
#إيالاڤيا#مجتمع#لاڤينيا_عيسىٰ
يتصاعدُ بخار الفنجان الأبيض كدُخان خفيف يعانق سماء الغرفة المنسية حيثُ تذوب أوراق الشاي الداكنة في لُجج الماء المغلي هاربة مِنْ قيد العُلبة الخشبية بينما تتكسر حبات الهيل العطرية ببطء تحتَ إيقاع طاحونة قديمة تفوح منها رائحة الذاكرة لتتسلل الحروف مِنْ بينَ السطور وتستقر ذراتها الخضراء فوق سطح السائل الداكن مُحولة رشفة الصباح العادية إلىٰ قصيدة سائلة تُقرأ باللسان وتُكتب بالرائحة فيما ينسابُ الطعم المُرّ في الحنجرة مُحملاً بتأملات بعيدة تشبهُ ظل عابر علىٰ جدار زجاجي يغسلُ بماء الشتاء البارد ويتركُ الكلمة وحدها تتدلَّى كقطرة ندىٰ مُعلقة علىٰ طرف الملعقة لتذوب تماماً في جوف المجرىٰ الحنجري كأنها لغة بلا حروف تتذوقها الشفاه قبل أن تصل إلىٰ العقل!!
وتتراكم الندوب علىٰ جُدران الفنجان كذكريات طينية لا يمحُوها الغسل بينما يمتد السائل المُتبقي ليخترق أوردةِ المائدة الخشبية باحثاً عَنْ جذور الشجرة التي أثمرت ذلك الحطب القديم وكأن الكلمة حينَ تُلامس لُغة البخار تتحول إلىٰ غيمة صغيرة تتبخرُ ببطء في فضاء الغرفة المظلمة تاركة وراءها ركوة خاوية تنعكس فيها وجوه عابرة تتلاشىٰ مع آخر قطرة ترتطم بالقعر كصدىٰ بعيد يتردد في صمت الأمكنة المهجورة حيثُ لا صوت سوىٰ خفقان الذاكرة وهي تعيد ترتيب الفوضىٰ علىٰ مهل//
فتبرد الحرارة تدريجياً وتستقر الطميّة السوداء في قاع الفنجان كخريطة لكونٍ أنتهىٰ لتسقط الكلمة الأخيرة مغشياً عليها علىٰ حافة الخزف المكسور بينما ينسحب الظل بهدوء نحو عتمته الأولىٰ تاركاً الغرفة وحدها مع صمت الأوراق وهي تعودُ إلىٰ تُرابها الأبدي!!!
#إيالاڤيا#مجتمع#لاڤينيا_عيسىٰ