السلام عليكم ورحمة الله، والصلاة والسلام على النبي العربي الأواه، وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد فهذا سجال جرى بيني وبين الشاعر الفذ سيدي محمد الطالب (الهاشمي) في نشاط المحظرة… حصن الهوية في زمن التحولات الذي أطلقته الرابطة الثقافية لطلاب المعهد العالي يوم الجمعة التاسع من مايو 2025، بدأته بمدح التعليم العالي الحديث (الجامعي) والحث على الالتحاق به قائلا:
رَبْعُ الْأَحِبَّةِ بَعْدَهُمْ قَدْ أقْفَرَا
وَالرَّبْعُ يُقْفِرُ فَاسْأَلُوا مَنْ أَقْفَرَا
رَحَلَ الْأَحِبَّةُ ثُمَّ زُرْتُ دِيَارَهُمْ
فَتَقَطَّعَتْ كَبِدِي أَسىً وَتَحَيُّرَا
وَجَرَتْ عَلَى خَدِّي الدُّمُوعُ كَأَنَّهَا
سَيَّارَةٌ تَطْوِي الْمَفَاوِزَ وَالْقُرَى
وَقَفَتْ عَلَى ذَقَنِي كَمَا وَقَفَتْ بِجَا
ـمِعَةٍ تُنِيرُ الدَّرْبَ طَاوِيَةُ الْعَرَا
لَا غَرْوَ فَهْيَ الْيَوْمَ أَوَّلُ مَصْدَرٍ
لِلْعِلْمِ وَالْأَخْلَاقِ طَابَتْ مَصْدَرَا
فَالْحَقْ بِهَا تَجِدِ الْعُلُومَ تَآلَفَتْ
وَاقْرَأ بِهَا تَتَبَحَّرَنَّ تبَحُّرَا
وَاقْرَأْ بِهَا رَسْمَ الْقُرَانِ وَضَبْطهُ
وَاقْرَأْ بِهَا تَفْسِيرَهُ مُتَدَبِّرَا
وَاقْرَأْ بِهَا عِلْمَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ
أَصْلٌ غَوَى مَنْ عَنْهُ وَلَّى مُدْبِرَا
وَاقْرَأْ بِهَا الْأَدَبَ الْمُقَارَنَ وَاقْرَأَنْ
شِعْرَ الْأَمِيرِ ابْنِ الْحُسَيْنِ وَعَنْتَرَا
وَاقْرَأْ بِهَا عِلْمَ الْحِسَابِ فَإِنَّهُ
فِيهِ الْحُلُولُ لِأَيِّ مُشْكِلَةٍ تُرَى
وَاقْرَأْ بِهَا عِلْمَ الطَّبَابَةِ إِنَّهُ
إِنْكَارُ فَضْلِ الطِّبِّ كَانَ المُنْكَرَا
وَاقْرَأْ بِهَا حَتَى تَنَالَ شَهَادَةً
وَصَدَارَةً كَمْ صَدَّرَتْ فَتَصَدَّرَا
فرد هو بقصيدته الرائعة البديعة مدحا للتعليم المحظري الأصيل وذبا عنه ودعوة إليه:
طرِبَ الفُتيُّ متيما فتفجرَا
من عينه ما كانَ قبلُ تحجرَا
ورمى إلى ذاتِ النقابِ تحيةً
فرمت إليه من التحايا عنبرا
ورنا على الطرفِ الكحيل مؤشرٌ
بهوى جميلٍ من بعيدٍ أشَّرَا
فاستبشرت هي من هواهُ بناعمٍ
غضٍّ كما هو من هواها استبشرَا
بُبيَّةَ العينين ترشحُ رقةً
وتريكَ من حسٍّ أرقَّ وأنضرَا
صدت وكانَ القلب أشرِب بالهوى
حتى عصى من كان لام وحذَّرَا
ذاتَ النقابِ صددت بعدَ أريتِني
تحت الخمار لدن عيونكِ جُؤذَرَا
أوَبعدُ تطلب وصلهنَّ وإنما
وصل الحسانِ أراهُ عنكَ تعذرَا
فدع المناظرَ في المحاظرِ سُرحاً
تحمدْ ندى خضلا وربعا أخضرَا
في فتيةٍ شُم الأنوفِ أعزةٍ
ضربوا بميدانِ العلومِ معسكرَا
إن كانَ أسكرَ غيرهم خمر فما
لهمُ سوى نظمٍ رقيقٍ أسكرَا
زعم الفتى الخنذيذُ أنَّ مدارساً
غيرُ التي كانت أسدَّ وأمهرَا
شنقيطُ تعلمُ أنَّ ذاتَ منارةٍ
خلقت لها وجها مليحا أزهَرَا
بذَّت بها الزيتونَ ملءَ شَآمِهِ
شرفا، وملءَ النيلِ بذتِ الَازهرَا
شنقيطُ تعرف للمحاظرِ قدرها
جعلت بها الدنيا المحاظرَ جوهرَا
ولقد درى الرسامُ والضباطُ أنّ
كتابَهم هيَ والمنارَ الأنورَا
ودرى الذي قرأ الكتاب وفسرَا
وأتى المحاظر أن يكون استفسرَا
ودرى المُحدثُ والحديثُ بأنها
يَنبوعُ "حدثنا عَدِيُّ عن البرَا"
والشعرُ يدري أين نظمُ عروضِه
وبيانِه، أو أين وادي عَبقَرَا
ولَفاطِمُ الضِّليلِ تشهدُ أنه
حسبت سُليماهُ المحاظرَ عَرعرَا
وابن الحسينُ بها أجلَّ يراعَه
"بادٍ هواكَ صبَرت أم لم تصبرَا"
ودرى عنيترُ أين ينشد قوله:
"زارَ الخَيالُ خَيالُ عَبلَةَ في الكَرى"
الشعرُ يولدُ طاهراً من شاعرٍ
حينا، ويولد في المحاظرِ أطهرَا
ودرت بهذا الحُكمِ كل قريحة
وبذا درى من كان منّا الأشعرَا!
أما الحسابُ فإنَّ عبدَ الله قد
جادت قريحتهُ بعِقد أعطرَا
"بَبْدٌ وبَجْوٌ…" درةً طلعت على
"حمَّالةِ الضربِ" التي قد أمطرَا
وسما لنا ابن أبي المعالي بالذي
قد كانَ أودعَ فيه مسكا أذفرَا
فرد المحاظرَ خاشعا متفاخرا
تنل الشهادة ليس تعدمُ مفخرَا
تلك الشهادةُ -وهي خير شهادةٍ-
بشهادتيْ ذا الدينِ كانت أخيرَا
كم أصدرت هذي المحاظر عيلما
لله أصدرَ في العُلى ما أصدرَا
ما أندرَ العلياءَ وهْي طريحةٌ
فيها، فيالِمثيلها ما أندرَا!
أخذت بنور ساطعٍ مُتوقدٍ
ما زال يدرأُ كلَّ منقصةٍ درَا
ودرى الجميع بكلِّ ما أطريتُها
في الحق أمَّا غيرهم فلقد درى
وإذا أتى شعراءُ ساموا غيرَها
فيها، فَ"كلُّ الصيد في جوف الفَرَا"
فرددت بهذه القصيدة الأخيرة داعيا إلى الجمع بينهما والحفاظ على الهوية والثقافة وإعادة روح التعليم المحظري إليه وتصديره للعالم والثقافات الأخرى، والقصيدة هي:
مَاذَا أَرَى شِعْراً أَرَى أَمْ جَوْهَرَا
أَمْ مَوْقِفاً مُسْتَلْزِماً أَنْ أَنظُرَا
إِنَّي ظَنَنتُ الْجَامِعَاتِ تَصَدَّرَتْ
" إِذْ جَاوَرَ الْبَادُونَ فِيهَا الْحُضَّرَا "
لَكِنْ بَدَا نَدَمِي وَأَنِّي مُخْطِئٌ
" وَبُكَايَ إِن لَمْ يَجْرِ دَمْعِي أوْ جَرَى "
إِنَّ الْمَحَاظِرَ طَيْفُ عَبْلَةَ زَائِراً
( لِمُتَيَّمٍ نَشْوَانَ مَحْلُولِ الْعُرَى )
قَدْ جِئْتُهَا لِلْعِلْمِ أَشْكُو بُعْدَهَا
( فَتَنَفَّسَتْ مِسْكاً يُخَالِطُ عَنبَرَا )
" لَمْ أَنسَهَا وَقَصَارُ مَنْ عَلِقَ الْهَوَى
أَن يَسْتَعِيدَ الْوَجْدَ أَوْ يَتَذَكَّرَا "
غَادَرْتُهَا قَدَراً وَحُزْنِي كَامِنٌ
" فَكَتَمْتُهُ وَكَفَى بِجِسْمِي مُخْبِرَا "
تِلْكَ الْمَحَاظِرُ جَمَّةُ فِي أَرْضِنَا
لَكِنْ أَرَاهَا الآنَ تَمْشِي الْقَهْقَرَا
يَا حَبَّذَا لَوْ قَاوَمَتْ بِشَبَابِهَا
وَشُيُوخِهَا كُلَّ التَّفَاهَاتِ الْتُرَى
يَا حَبَّذَا لَوْ أَشْغَلَتْ بِعُلُومِهَا
سُبُلَ التَّوَاصُلِ "فَيْسَهَا" وَ"اتْوَيْتَرَا"
يَا حَبَّذَا لَوْ أَتْحَفَتْ بِمَوَاقِعٍ
مَلْأَى عُلُوماً "چُوچَلاً" كَيْ يُقْمِرَا
يَا حَبَّذَا لَوْ زَيَّنَتْ بِبَرَامِجٍ
فِيهَا الْمَرَاجِعُ "آبَهَا" وَ"الْمَتْجَرَا"
يَا حَبَّذَا لَوْ نَافَسَتْ تِي الْجَامِعَا
ـتِ دِرَاسَةً وَتَطَوُّراً وَتَحَضُّرَا
يَا حَبَّذَا لَوْ صَيَّرَتْ دُسْتُورَنَا
شَرْعَ الْإِلَهِ وَلَيْسَ قَانُونَ الْوَرَى
أَوْ وَفَّرَتْ تَدْرِيسَ ذَا الْعِلْمِ الْحَدِيـ
ـثِ فِإِنَّهَا بِالْعِلْمِ كَانَتْ أَجْدَرَا
يَا حَبَّذَا لَوْ دَرَّسَتْ رَغْمَ النَّوَى
طُلَّابَهَا عَبْرَ الْفَضَاءِ تَطَوُّرَا
يَا حَبَّذَا لَوْ وَثَّقَتْ تَصْدِيرَهَا
بِشَهَادَةٍ وَتَعَاقَدَتْ مَعَ "كُورْسَرَا"
هَذَا "الْغَبَاءُ الْإِصْطِنَاعِي" حَبَّذَا
لَوْ طَوَّرَتْ نِدّاً لَهُ مُتَمَحْضِرَا
هَذِي نَصَائِحُ لِلْمَحَاضِرِ مِن فَتىً
كَلِفٍ بِهَا وَيُرِيدُ أَنْ تَتَطَوَّرَا
وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْجَامِعَاتِ وَبَيْنَهَا
خَيْرٌ وَغَيْرَ الْجَمْعِ لَنْ أَتَخَيَّرَا
وَالْمَعْهَدُ الْعَالِي مِثَالٌ قَائِمٌ
لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَحَازَ الْمَفْخَرَا
" زُحَلٌ عَلَى أَنَّ الْكَوَاكِبَ قَوْمُهُ
لَوْ كَانَ مِنْهُ لَكَانَ أَكْرَمَ مَعْشَرَا "
وَخِتَامُنَا صَلَّى الْإِلَهُ عَلَى الذِي
(لِقَبُولِهِ فِي النَّفْسِ جَاءَ مُبَشِّرَا)
#مجتمع #شعر #سجال عرض المزيد