يا عابرًا بين صمت الحروف...
ألم نكن نحن ضيوفًا في هذه الحياة؟
فالضيف عندنا لا يُعامَل إلا بإحسان، ولا يُقدَّم له إلا ما لذَّ وطاب من الطعام؛ في تلك الأطباق التي تخبئها أمهاتنا، ولا يُخرجنها إلا حين يحلّ ضيف عزيز.
هكذا تعلّمنا، وهكذا اعتدنا أن نُكرم ضيوفنا؛ نفتح أبوابنا ونستقبلهم بوجه ضاحك، مهما كان في داخلنا من بكاء، ونبذل ما في وسعنا كي لا يشعروا بالغربة بيننا.
ولكن، ما بال هذه الحياة، التي يُقال إننا ضيوف فيها؟ رحّبت بنا على أرضها، ثم تركتنا كالغرباء، تائهين، لا ندري أيَّ الطرق نسلك.
أليس من حقنا أن تعاملنا بإنصاف، ولو قليلًا؟ أن ترفع عنّا غطاء قسوتها، لعلّنا نرى شيئًا من نورها؟
أليس من حقنا أن تدعنا نشعر بأننا نعيش، لا نتنفّس فحسب؟
يا لقسوتها، ويا لسوء ضيافتها...
يا عابرًا بين صمت الحروف،
أنت هنا، حيث ستقرأ كلماتٍ لم أبوح بها لأحدٍ حتى الآن.
اخترتُ أن أكتب، لعلّي أتمكّن من كسر أقفال الكتمان،
وأُخرج إلى النور شيئًا مما ظلّ حبيسًا في داخلي.
هنا، سأكون على حقيقتي ومع كل تناقضاتي، بلا أقنعةٍ
أختبئ خلفها، وبلا كلماتٍ أُخفي بها ما يضطرب في
أعماقي.
هنا، أكتب لعلّي أجمع من شجاعة الحروف ما يكفي
لأواجه الحقائق التي ما زلت أركض بعيدًا عنها خوفًا من
أن ألتقيها وجهًا لوجه.
F.D
لماذا نسمع في الأماكن التي غادرناها صوتا ينادينا ؟
وكأننا في تلك الطرق فقدنا قطعة من أرواحنا .
لماذا الشوق يحاصرنا ،وكأنه طوق يبقى طول الدهر محاطا حول الأعناق.
ياليتنا نعلم بأن البعد قد يقتلنا، وأنه سيكون خنجرا فوق أماني الفؤاد.
وياليتنا علمنا بأننا سنبقى حبساء في سجون الأشواق.
أيا راحلين...
ها نحن نتيه مجددا في متاهات الذكريات.
نلاحق سراب الماضي، ونمضي خلفه لعلنا نجد دواء لمرض الأشواق.
ونفتش بين ذكريات الأمس عن لحظات غيبها الزمن.
أو حتى قد نكون نبحث عن أصوات خفتت، ولم يبقى إلا صداها يسكن في إحدى زوايا الذات.
ها نحن نخشى أن تذهب ذكراكم وان نغدو بلا روح تحيينا.
فيا لا ملجئ لنا إلا أنت،
نسألك بما تبقى لنا من قوة ، أن ترحم ضعفنا وقلة حيلتنا.
الحرية...
يا لها من كلمة امتلأت بالغرابة، حتى غدا معناها أبعد ما يكون عن حقيقتها.
كلمة ربما لم يعش أحدنا جميع معانيها؛ فمنا من كان أسيرا للمال، ومنا من استعبدته رغبات البشر، ومنا من لم يجد طريقا للخلاص من افكاره، فظل سجين نفسه، حتى وإن كانت أبواب العالم كلها مفتوحة أمامه.
كلمة سعيت إليها طويلا، وما زلت أسعى، لكنني كلما ظننت انني اقتربت منها، وجدت نفسي أعود إلى النقطة ذاتها،كأنني أركض في دائرة لا تنتهي وأتيه في متاهات لا أعرف أين تبدأ ولا إلى أين قد تقودني.
وأحيانا أتساءل: أأنا التي لم تعثر على الطريق، أم أنني أبحث عن الحرية في المكان الخطأ؟
وأكثر ما يرهق الإنسان ليس فقط ان يكون فاقدا للحرية أسيرا، بل أن يقضي عمره باحثا عنها، دون أن يعرف إن كان ما يسعى إليه حقيقة يمكن بلوغها، أم حلما سيظل يطارده طويلا.
ولهذا، أسألكم:
هل بيننا أحرار حقا؟
هل ثمة من استطاع أن يتحرر من سلطة المال، ومن أحكام البشر، ومن مخاوفه وأفكاره التي تقيده؟ هل ثمة من يعيش كما يريد، لا كما يملى عليه، ويختار طريقه دون أن يثقل قلبه الخوف من عواقب اختياره؟
إن كان بيننا أحد كذلك، فليدلنا على الطريق... فلعلنا نصل يوما، ولعلنا، نتوقف أخيرا عن الركض في هذه الدائرة، ونشعر أننا لا نكتفي بالتنفس، بل نعيش حقا.
فهل من أحرارٍ بيننا؟
أم أننا جميعا نبحث عن باب، ولا أحد منا يعرف أين المفتاح؟
F.D
ذكرتهم والدموع في المُقلِ تتلئلئُ
وكأن فراقهم في الفؤاد خنجرُ
أناديهم بأعلى صوت
وصُدى صوتي لا يُسمعُ
أقف لا شيئ حولي
سوى أمل يوشك أن ينفذ
أُثابر في طرقي لعلي
ألقى الأحبة وابتسم
فلا الإبتسامة مرت على ملامحي
ولا الأحبة تزحزحو
من نظر الي رأى نارا بداخلي
تأكلني فلا تخمد
ذهب الناس للأحبة وقالوا
ارفقوا به فإن قلبه من الألم يعتصر
لا للأحبة قلب يشعر
لو كان لديهم لما عذبوا
تمنيت لو أن الصبر احتواني كل الدهر
فالفؤاد ما زال على فراقهم يتفتت
F.D
عادَ تاريخُ هذا اليوم...
وعادَ معه ثِقْلُ أيّامٍ لا تُعَدُّ،
أيّامٌ امتلأتْ بالدِّماءِ،
وبالغيابِ، وبأسماءٍ كانتْ يومًا تَنْبِضُ بيننا،
ثُمَّ صارتْ تُذْكَرُ بصيغةِ الماضي.
ها هو يعودُ هذا اليوم،
وما عادَ الذينَ ذهبوا.
عادَ مُجَدَّدًا،
ولم يَحْمِلْ خَبَرَ الحُرِّيَّةِ التي ما زلنا ننتظرُها،
ونَعُدُّ الساعاتِ لأجلِها.
عادَ،
ولم يُطْفِئِ الألمَ الذي استوطنَ الحَشَا،
بل أعادَ فتحَ أبوابِ الذاكرةِ من جديد.
عادَ السابعُ من أُكْتُوبَر...
لكنَّ الذينَ رَحَلوا
لن يعودوا.
F.D
7 October 2026
هنا لن أكتب لإرضاء أحد،
بل سأكتب عن كل حقيقةٍ غفلتم عنها،
وكل ظلمٍ تجاهلتموه؛
لعلّ قلوبكم وضمائركم تتكلم،
إن كانت لا تزال على قيد الحياة.
ولعلّ الأقفال التي أُحكمت على الأفواه تنفتح،
فيخرج منها صوت الحق.
هنا أبحث عن الحرية،
فمن أراد البحث معي،
فليحلل أهلًا، وليطأ أرضي سهلًا.
وأخيرًا،
سأكتب لأنني أبحث عن نفسي،
فلعلني أجدني.
F.D
06.10.2026 #أدب#مجتمع