لماذا ما زلنا نبحث عن النهضة؟
منذ أن طرح شكيب أرسلان سؤاله الشهير: «لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟» ونحن نبحث عن تفسير لتعثرنا الحضاري. تعاقبت الأجيال وتعددت المشاريع الفكرية، لكن السؤال بقي حاضرًا. وربما تستحق هذه العودة المستمرة مساءلة أعمق: هل عجزنا عن فهم أسباب تأخرنا، أم أننا اعتدنا فهمها دون أن نغيّر ما يقود إليها؟
كتب المفكرون عن النهضة، وانتقدوا الموروث، وناقشوا بنية العقل العربي والإسلامي. ومن أبرز هذه المحاولات مشروع محمد عابد الجابري في نقد العقل العربي، ومشروع محمد أركون في نقد العقل الإسلامي. اختلف الرجلان في المنطلقات والأدوات، لكنهما التقيا عند ضرورة مراجعة طرائق التفكير، وفهم الشروط التي صنعت وعينا وحددت مساراته.
اهتم الجابري بتحليل بنية العقل العربي وآليات إنتاج المعرفة داخله، بينما اتجه أركون إلى مساءلة العقل الإسلامي وطرائق قراءة التراث الديني، بما في ذلك الأسئلة التي أُبعدت عن مجال النقاش. وتكمن أهمية المشروعين في أنهما نقلا النظر من الموروث وحده إلى الطريقة التي نفهمه بها، ونمنحه من خلالها سلطته في تشكيل الحاضر.
لكنني أرى أن سؤال النهضة أوسع من المفاضلة بين العقل العربي والعقل الإسلامي. فالأزمة لا تصنعها الأفكار وحدها؛ إذ تتداخل معها السياسة والتعليم والمؤسسات والمصالح الاجتماعية. وقد يكون الفكر قادرًا على كشف الخلل، بينما تظل البنية التي تحميه وتعيد إنتاجه أقوى من محاولات تغييره.
وهنا تبدأ المسألة التي تشغلني: ماذا نفعل بالمعرفة بعد أن نصل إليها؟
قد يدعو المرء إلى حرية الفكر ثم يضيق بالرأي المخالف، وينتقد الجمود ثم يقاوم كل فكرة تهدد مكانته. وقد يطالب المجتمع بالتجديد، بينما يتمسك أفراده ومؤسساته بالشروط التي تعطل التجديد. هذه المفارقة تكشف أن المعرفة وحدها لا تضمن التغيير؛ فالإنسان قد يدرك ما ينبغي إصلاحه، ثم يجد في بقاء الخلل ما يحمي مصالحه أو يعفيه من تبعات المراجعة.
لهذا لا يكفي أن ننتج خطابًا نقديًا متقنًا، ولا أن نستورد نظريات النهضة ونكرر مصطلحاتها. قيمة الفكر تظهر في قدرتنا على اختبار أفكاره، ومراجعة مسلّماته، وتحويل نتائجه إلى تعليم يشجع السؤال، ومؤسسات تحترم المعرفة، وبيئة تسمح للاختلاف بأن يؤدي دوره في تصحيح المسار.
ولا أرى أن التعامل الجاد مع التراث يقتضي تقديسه أو خصومته. كلا الموقفين قد يعفينا من المهمة الأصعب: الفهم المستقل. نحن بحاجة إلى قراءة تاريخنا بوعي، والاستفادة من تجارب الآخرين دون استنساخها، وبناء موقف يسمح لنا بالاختيار بدل الارتهان لما ورثناه أو استعرناه.
لقد انشغلنا طويلًا بسؤال: لماذا تقدم الآخرون؟ وربما آن لنا أن نواجه سؤالًا أكثر إحراجًا: ما الذي يجعلنا نكرر أسباب تأخرنا حتى بعد أن نعرفها؟
فالنهضة لا تتعطل دائمًا بسبب غياب الإجابات؛ قد تتعطل لأن الإجابة تفرض تغييرات لا نريد تحمل كلفتها. ومعرفة الخلل تضعنا أمام مسؤولية إصلاحه، وهذه المسؤولية هي الاختبار الحقيقي لأي مشروع فكري.
بقلمي
تمرد اليامي
#مقهى_الخزامى
#مجتمع #فلسفة #مقالات
#لآلئ_اليوم #شعر #أدب #مجالس_مجتمع
5 مشاهدة

