كنت دائماً أحلم بشعر عربي تكون فيه مساحة الكلمة بمساحة الانفعال ، وحجم الصوت الشعري بحجم فم الشاعر .. وبحجم هواجسه
كنت أؤمن أن الشعر لمط صوته بطريقة مسرحية ، ومد انفعاله على سطح أوسع يخرجه من حديقة الشعر ويدخله في سراديب الثرثرة الشعرية .
الثرثرة الشعرية هي فجيعة شعرنا العربي .. ونظرة واحدة إلى أهرامات القصائد العربية القديمة توضح لنا أننا تكلمنا أكثر من اللازم ...
الشعر هو خلاصة الخلاصة .. كما قلت .
لذلك كان أعظم الشعراء هم أولئك الذين كتبوا بيت شعر واحداً .. وماتوا بعد كتابته مباشرة.
ليس من وظيفة الشعر أن يشرح كل شيء وبكلمة أدق .. أن يقتل كل شيء ... الشرح الطويل عمل من أعمال الببغاوات ، والعجائز ، ونشرات الأخبار ... وظيفة الشعر هي أن يعطيك بطاقة سفر .. دون أن يتدخل في تفاصيل الرحلة ، ومواعيد القطارات التي ستركبها ، وأسماء الفنادق التي ستنزل فيها ...
وظيفة الشعر .. هي أن يضع أمامك الزجاجة والكأس .. ويتركك تسكر على طريقتك .
وظيفة الشعر أن يضع في إصبعك خاتم سليمان .. وعليك أنت أن تستحضر المارد .. وتطلب منه ما تريد من لبن وعسل وحوريات ...
اللعبة الشعرية .. لعبة إشارات ضوئية . واللاعب الكبير فيها هو الذي يحتفظ بالقدرة على الصمت ويعرف متى يلقي ورقة الدهشة .
الكلام الكثير على طاولة الشعر .. كالكلام الكثير على طاولة القمار .. لا يجلب سوى الخراب .
الكلام الكثير فيه مقتلنا .. هذا شيء معروف . ومعروف أيضاً ، أن القصائد الأكثر فشلا في تاريخنا الشعري هي القصائد التي تحولت إلى نوع من الجرائد اليومية .. إلى نوع من أجهزة الإعلام . هي القصائد التي تعطل جهاز الرقابة الداخلية فيها .
#نزار_قباني
8





