بعد عشرين دقيقة، تغرب الشمس، كان من الممكن أن أقول، أنه الوقت الأنسب للتماهي مع قصيدة مسائية حالمة، لشرب فنجان قهوة في شرفة مطلة على البراح، للتّمشي قليلا على الرصيف، لكن ذلك يحدث هناك في البر، أما هنا، فنحن في البحر أيها القراء الأعزاء.. وأن تتواجد في قلب البحر وقت الغروب، فذاك معناه أنك هنا لتكافح، لتصارع، مع كامل انتباهك من أجل لقمة العيش.
عند الضحى نعود للبر، أترك الفتية ليناموا في حجيرات الميناء المخصصة للبحارة البعيدة منازلهم. ثم أتوجه نحو أسواق المدينة، لأبتاع مؤونة أربع وعشرين ساعة قادمة، الخبز والخضر الفواكه وباقي مستلزمات العيش، مع بضعة أغراض أخرى يطلبها رفاق العمل.. هكذا وقد غدوت طباخ المركب المكلف بالتبضع وإعداد الوجبات. أكرر الأفعال نفسها في الأوقات نفسها بشكل يومي، لكنني لا أشعر بأي ضجر ولا تذمر، فهي مهمة محترمة وأيضا لابد من أن يشغلها أحدنا، لكي نستمر بحال أفضل.
في الثانية عشرة ظهرا، أعود إلى المرسى، محملا بأكياس الزاد اليومي، بالنسبة للفطور يحدث أحيانا أن نتناوله باكرا وأحيانا في وقت متأخر وهو وقت عودتي من السوق، نفطر، ثم ننطلق مباشرة في رحلة جديدة إلى الأفق الأزرق. حيث نتخذ مسارنا نحو المصيد، هنالك يكون التيار إما شرقيا أو غربيا، لنقطع المسافة في مدة تتراوح بين أربع أو ثلاث ساعات. لابد أن نصل في وقتنا المحدد.. فلا مجال للتهاون أو التراخي.. حين يتعلق الأمر بالصيد.
ثمة مراكب عديدة تتسابق على المصيد، وثمة حيل ومكائد لاحصر لها، وصراع دائم بين قادة المراكب ( الرُيّاس )، لاسبيل للخروج منه إلا بالحيطة والحذر. عليك أن تكون دقيقا عند حساب احداثيات المسار والرسو، فلا تشتبك شباكك بشباك غيرك، ولا تصدق كل ما يذاع على أجهزة التواصل، إلا إذا صدقَت تلك البلاغات رؤية العين ومهارة التجربة.
إنها مسافة تقدر بأميال، فتجدني منهمكا في إعداد وجبة الغذاء، وهي مهمة شاقة وصعبة، لأنك لا تفعل ذلك فوق الأرض، فالمكان هنا يتحرك يمنة ويسرة صعودا ونزولا طوال الوقت. عليك أن تراقب آنية الطعام المتروك فوق النار بعيون يقظة، هذا ولابد من أن تكون الآنية أكبر من كمية الطعام المطلوب بضعفين، فيكون الجزء العلوي منها فارغا.. حتى لا تتدفق السوائل خارج الطنجرة حين التحرك. وكذلك الأمر بالنسبة لبراد الشاي. وإبريق إعداد القهوة.
بعد تجهيز الغذاء، أوقظ الرجال النائمين فوق الشباك، وقد تبلستني نحوهم مشاعر أمومة، لا شك أنها ليست غريبة على قلب أي رجل يحب أهله وأصدقاءه وإخوته ويريد لهم الخير والسلامة والنجاة، فإذا فرغنا من تناول الطعام. نمت ساعة أو ساعتين، وأذناي تلتقطان أصوات المراسلات اللاسلكية، وأحاديث الزملاء على المركب.
ولأني ألفت البحر والماء وصوت الموج، تراني أعود للنوم مرتاحا كما لو كنت فوق سرير بيتي، لا وقت محدد عندي للنوم، علي أن أستغل أي وقت مستقطع للراحة.. لكن مثل هذا لا يحدث إلا في فصل الربيع، تزامنا مع هجرة سمك أبو سيف، من أقصى المحيط الأطلسي غربا، إلى أبعد نقطة من البحر الأبيض المتوسط، إنه يفعل ذلك طلبا لبيئة مناسبة لوضع البيض .
أحلم وأسافر بروحي إلى أكوان لا نهائية، وأحيانا أراني طفلا بصحبة والدي رحمه الله ذلك الرجل العميق والهادىء.. الذي علمني مبادىء الصيد وأصول المهنة.. وزرع في نفسي محبة الحياة وفكرة الإيمان بأن الحياة رزق وأن الرزق بيد الله الواحد الأحد.
ثم يأتي الأصيل، فأقوم من رقدتي وأشرع في إعداد وجبة مسائية خفيفة، شاي أو قهوة، خبز وجبن ، وفطائر أجلبها من السوق صباحا، فنجتمع عليها مرة أخرى، مع باسم الله وضحكات وأحاديث، والحديث ذو شجون وشباك. للإشارة فقط طول الشبكة الواحدة.. ميل ونصف.
قبل عشرين دقيقة من مغرب الشمس، نكون على أهبة النزال الليلي مع الماء، مع الكائنات البحرية، مع النجوم السابحة في فلكوتها، مع الموج العاتي، والتيارات النافعة والمهلكة، وهكذا وككل يوم من أيامي.. بعدما أساعد الأصحاب في رمي الشباك.. أعود للمطبخ.. وأنا أفكر ما الذي سوف أعده لنا من أجل وجبة العشاء؟
#محمد_سعيد_المقدم .