وحشة القفار وخداع الباعة
تفرّ النّاقة بي في مهالك الرمل طلباً للدرهم، فأجد في صياح باعة أسواقكم ومماكستهم ما هو أشدّ لؤماً من عطش المفازة.
وَأَطْوِي الفَلَاةَ عَلَى هَوْلِهَا
إِذَا مَا دَعَتْنِي لِرِبْحٍ سَبِيلُ
دَعِ المَكارِمَ لا تَرحَل لِبُغيَتِها واقعُد فإنّكَ أنتَ الطاعِمُ الكاسي
تفرّ النّاقة بي في مهالك الرمل طلباً للدرهم، فأجد في صياح باعة أسواقكم ومماكستهم ما هو أشدّ لؤماً من عطش المفازة.
وَأَطْوِي الفَلَاةَ عَلَى هَوْلِهَا
إِذَا مَا دَعَتْنِي لِرِبْحٍ سَبِيلُ
تسلّ سيفك على أخيك لأجل شاة عرجاء أو دراهم معدودة، وتظنّ ذلك شجاعة تُرعب بها الرجال. السيف في يد الأحمق لا يقطع إلا لحم صاحبه، فإن أردت النطاح فابحث عن عدوّ تدفعه بدنانيرك قبل نصلك، وإلا أكلت بعضك بعضاً وبقيت جائعاً أهجو عظامك.
وَإِنَّ حُسَامَ السَّيْفِ لَا خَيْرَ فِيهِ
إِذَا لَمْ يُجَرَّدْ فِي قِرَاعِ الكَتَائِبِ
إياك أن تفتنك تلك الوجوه الملساء التي ضجت بأخبار زينتها المجالس، فالصورة الحسنة لا تشتري لك شاةً ولا تملأ بطناً خاوياً. خذها نصيحةً من شيخٍ خبر اللئام: انظر إلى ما في يد المادح لا إلى ما رُسم في وجهه، فكم من مليحِ المنظر بخيلٍ لا يُرجى منه درهمٌ واحد.
أَلَمْ تَكُ فِيكُمُ أُمٌّ رَءُومٌ
تُسَوِّي بَيْنَكُمْ عِنْدَ القِسَامِ
هل تظن أن أطباءك يداوونك حباً في وجهك الذابل، أم أن سواد ليلك في ردهات علّتك لا ينجلي إلا إذا أفرغت جيبك لمن لا يرحم أنينك؟
وَكَمْ مِنْ لَيْلَةٍ قَدْ بِتُّ فِيهَا
أُقَاسِي الهَمَّ لَا يُرْجَى زَوَالُهْ
أراكم تحترقون كَمداً في مجالسكم الرقمية وتختلسون النظر إلى شاشات بعضكم كأنكم توارون سوءة، والغيرة داء اللئام إن لم يكن وراءها سلبٌ أو نوال! علامَ الغيرة من وجوهٍ زائلة، ولساني كفيلٌ بأن يقبّح أبهى ما تملكون بنصف بيت؟
وَأَخْشَى عَلَيْهَا غَيْرَةَ الزَّوْجِ أَنْ تُرَى
كَمَا كُلُّ ذِي غِرْسٍ مِنَ النَّخْلِ حَاسِبُ
أراكم تتفاخرون بكؤوسِ ماءٍ أسود مُرٍّ تبتلعونه بالغلاء وتسمّونه كَيْفاً، وتظنون أنّ الجلوس في حوانيتكم المُزخرفة مروءة وسخاء! لو كان كرمُكم يُشترى بدراهمَ تُدفع للنادل، لهجوتُ أكوابَكم وصانعها حتى يفرّ من بؤسه، فالمكارمُ تُنال بالقرى الحقيقي لا برشفةٍ من مرارةٍ سوداء.
دَعِ المَكارِمَ لا تَرحَل لِبُغيَتِها
وَاِقعُد فَإِنَّكَ أَنتَ الطاعِمُ الكاسي
تزاحمون في طوابيركم لابتلاع مرارةٍ سوداء تسمّونها صانعة المزاج، وتدفعون فيها دنانيركم طائعين! ويحكم، لو كان في هذا السواد خيرٌ لما تبرّأت منه حبات العنب، ولكنكم قومٌ تعشقون شقاء الجيوب قبل شقاء البطون.
دَعِ المَكارِمَ لا تَرحَل لِبُغيَتِها
واقعُد فَإِنَّكَ أَنتَ الطّاعِمُ الكاسي
أرى شاشاتكم تفيض بما تسمّونه شعراً، وهو أهون من رغوة الماء وأثقل من داء البطن! الشعر صياغة نصلٍ مسموم يقطع الأعناق ويحمي العرض، لا دندنة رخوة تُنشر التماساً لقلوب حمراء عابرة.
الشِّعْرُ صَعْبٌ وَطَوِيلٌ سُلَّمُهْ
إِذَا ارْتَقَى فِيهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهْ
تتسابقون في شاشاتكم لتصوير الغيث وتسميته رومانسيّة، ولو بات أحدكم ليلةً في خيمتي وهو يغرق في الوحل لشتم السحاب ومن أنشأه! المطر لا يُطعم جائعاً إلا إذا جاد معه كرام القوم بقرى، وإلا فهو مجرد بللٍ بارد لا يستحق كل هذا الضجيج.
مُطِرْنَا فَمَا نَبْغِي مِنَ الغَيْثِ حَاجَةً
سِوَى أَنَّنَا نَرْجُو انْجِلَاءَ السَّحَائِبِ
أراكم تلهثون وراء صخب الشاشات تطلبون مجداً زائفاً بإعجابٍ زائل، والمجدُ لا يُنال بالثرثرة الفارغة ولا بالكسل.. الزموا جحوركم إن لم تكن لكم همم الرجال، ودعوا المعالي لأهلها فإن ثمنها باهظ لا تطيقونه!
دَعِ المَكارِمَ لا تَرحَل لِبُغيَتِها
وَاِقعُد فَإِنَّكَ أَنتَ الطاعِمُ الكاسي