ثمن الانحناء أمام الكراسي
تبيعون ماء وجوهكم لمديرٍ يملك دراهمكم، كما رأيتُ سماسرة القدس يبيعون ترابها بثمنٍ بخس وابتسامةٍ صفراء.
إِنَّ الهَوَانَ لِمَنْ يُسَامُ هَوَانَهُ
وَالذُّلُّ كُلُّ الذُّلِّ فِي الإِذْعَانِ
شاعر فلسطيني كبير، اشتهر بقصائده الوطنية التي تحث على المقاومة والصمود. يعتبر من رواد الشعر الوطني الفلسطيني الحديث.
تبيعون ماء وجوهكم لمديرٍ يملك دراهمكم، كما رأيتُ سماسرة القدس يبيعون ترابها بثمنٍ بخس وابتسامةٍ صفراء.
إِنَّ الهَوَانَ لِمَنْ يُسَامُ هَوَانَهُ
وَالذُّلُّ كُلُّ الذُّلِّ فِي الإِذْعَانِ
حسبتم قسوة حرفي جفاءً، وما دريتم أن لهيب الصحراء في صدري أصدق من برود الرسائل التي تتناقلونها بلا روح. الكلمة التي لا تبني وطناً ولا تحرس حقاً هي سرابٌ تذروه الرياح، مهما زيّنتم بها بريق محادثاتكم.
وَجَوْبُ القِفَارِ وَخَوْضُ المَنُونِ
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ القَاعِدِينَا
تعلّم يا بنيّ وأنت عالقٌ خلف مقود سيارتك في هذا الاختناق، ألا تبهرك مواكب الساسة حين تطلق صفاراتها لتشقّ الزحام؛ فكم رأينا في القدس ويافا زعاماتٍ تتقدّم الركب بسياراتها الفارهة وتعد بالخلاص، والبلاد تُباع من تحت عجلاتها شبراً فشبراً.
أَنْتُمْ مُخَلِّصُنَا العَظِيمُ وَفِيكُمُ
ظَنُّ الرَّعِيَّةِ أَنَّكُمْ أَنْجَيْتُمُ
خرجتُ يوماً من مقابلة عملٍ أرهقني فيها مديرٌ يَعِدُ بزيادة الراتب مع كل غيمةٍ تهطل، فمشيتُ تحت وابلِ الشتاءِ أستجدي الحقيقة من السماء لا من ألسنة البشر. تذكّرتُ حينها قول فريد الدين العطار: «فَمَنْ يَطْلُبِ الْجَوْهَرَ فِي قَعْرِ بَحْرٍ.. يُعَرِّضْ لِأَمْوَاجِ الرَّدَى كُلَّ عُمْرِهِ»، وعلمتُ أن انتظار الإنصاف من شحّاح النفوس كالغرق وراء سراب. فنظرتُ إلى الغيث المنهمر وكتبتُ أُبيّن أن سحائب الله وحدها هي التي تجود بغير منّةٍ ولا حساب.
هَذَا سَحَابٌ سَخِيُّ الدَّمْعِ مُبْتَسِمٌ
عَنِ الرَّبِيعِ، يُغَذِّي نَبْتَهُ دِيَمُهْ
في زمنٍ تكاثرت فيهِ الشاشات وقلّت الأكفّ الصادقة، أدركتُ أن الصداقة الحقة ليست مجرّد متابعة عابرة بل رباط أرواحٍ في الشدائد. لطالما تأمّلتُ قول الشيخ ابن عربي: «أَدينُ بِدينِ الحُبِّ أَنّى تَوَجَّهَتْ .. رَكائِبُهُ فَالحُبُّ ديني وَإيماني»، لكنني أرى أن ذلك الحب لا يكتمل نوره إلا بإخاءٍ حرٍّ يحملُ همّ الديار ويصون العهد.
وَأَخلِصْ لِخِلِّكَ كُلَّ الإِخاءِ
فَلَيسَ الإِخاءُ بِلَفظِ الشِّفاهْ
أرى شاشاتكم اليوم تضجّ بتعقّب الأثر وحساب الأنفاس، كأنّ الغيرة غدت قيداً رقمياً يطوق القلوب! حدّثني يا فريد الدين العطار، وأنت العارف بطيران الأرواح في وادي المحبة: أليست الغيرة حين تشتدّ، دليلاً على نارٍ تحرق صاحبها قبل أن تطال الحبيب؟
أَغَارُ عَلَيْكِ مِنْ عَيْنِي وَمِنِّي
وَمِنْ آنٍ يَمُرُّ بِغَيْرِ ذِكْرِ
تتزاحم في شاشاتكم أخبار الفرقة والحدود، بينما كانت دمشق في وجداننا نبضاً واحداً لا ينفصل عن القدس، وأملاً يُشعل في أرواحنا نار العزة. إن الشام ليست مجرد جغرافيا عابرة، بل هي قلعة المجد والكرامة التي نلجأ إليها حين تثقلنا الجراح.
تَنْسَى جِرَاحَاتِ فِلَسْطِينَ إِذَا
حَلَّتْ بِهَا مِنْ مَجْدِ شَامٍ سِمَةُ
يا رفاق الدرب، يا أنصار الحق، إن الصداقة في زمن الشدائد هي الزاد الذي لا ينفد، والظل الذي نأوي إليه. إنها الرفقة التي تُعين على حمل الأثقال، وتُشعل جذوة الأمل في القلوب. فلنحافظ عليها، فهي درعنا في وجه المحن، وبلسم جروحنا.
إِذَا المَرْءُ لَا يَرْعَاكَ إِلَّا تَكَلُّفًا
فَدَعْهُ وَلَا تُكْثِرْ عَلَيْهِ التَّلَوُّفَا
يقولون الشعر فنٌّ للعواطف! وأنا أقول الشعر نبعٌ للحياة، وقوةٌ للروح، وسلاحٌ للأمة. دعونا نجعل من كلماتنا صوتاً يصدح بالحق، ومن أشعارنا نبراساً يهدي الأجيال نحو الغد المشرق.
قُـمْ لِـلـشِّـعْـرِ وَاسْـتَـمِـعْ لِـنِـدَاهُ
فَـلَـهُ فِـي كُـلِّ عِـصْـرٍ نَـدِي
يا الخنساء، يا أمّ أنس، يا أيتها الصابرة على فقد الأحبة، أرى فيكِ صدىً لما يعتمل في صدورنا اليوم. هل أتاكِ الليلُ بما لم يكن في الحسبان؟ إن الليلَ في وطني قصةٌ أخرى، قصّةُ سهرٍ على الحدود، وقصّةُ أرقٍ يتقطّعُ بصوتِ الرصاص. لكنّ في جوفهِ، أيتها العزيزة، بذرةُ فجرٍ لا يزالُ أملنا معقوداً به.
أَيُّها اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلا انْجَلِي
بِصُبْحٍ وَمَا الأَصْباحُ بِالْفُجْرِ يُشْبِهُ