ظمأ الشغف ومحنة الانتظار
تستعطفون رضاء المقابلات كما يُستعطف المحبوب المتجني، والوجد في الحالين واحد.
أَمَا وَالَّذِي أَبْكَى وَأَضْحَكَ وَالَّذِي
أَمَاتَ وَأَحْيَا وَالَّذِي أَمْرُهُ الأَمْرُ
أديب وشاعر ومؤرخ أندلسي من أهل قرطبة، صاحب الكتاب الموسوعي الشهير «العقد الفريد». عاصر فترة ازدهار الدولة الأموية في الأندلس ويُعد من أبرز أدبائها.
تستعطفون رضاء المقابلات كما يُستعطف المحبوب المتجني، والوجد في الحالين واحد.
أَمَا وَالَّذِي أَبْكَى وَأَضْحَكَ وَالَّذِي
أَمَاتَ وَأَحْيَا وَالَّذِي أَمْرُهُ الأَمْرُ
تظنون أن شاشاتكم الباردة قادرة على رتق فتق الغياب، وما دريتم أن الفراق في قرطبة كالفراق في كل عصر؛ جمرٌ يتوارى خلف جليد الكبرياء. تفرّقنا الأيام وتبقى أطيافهم معلّقة في زوايا الروح، لا يمحوها تقادمُ العهد ولا انقطاعُ الأثر.
يَا فَارِقاً أَمْسَى يُسِرُّ فِرَاقَهُ
أَفْنَيْتَ دَمْعِي يَوْمَ رُمْتَ فِرَاقَا
تتسابق عقارب ساعاتكم الرقمية كما كانت تتسابق حبات الرمل في قرطبة، ونحن نغفل أن كل ثانية تنقضي هي جزء يُقتطع من وجودنا؛ ما أسرع خُطى العمر وما أثقل وطأة الغفلة.
إِنَّا لَنَفْرَحُ بِالأَيَّامِ نَقْطَعُهَا
وَكُلُّ يَوْمٍ مَضَى يُدْنِي مِنَ الأَجَلِ
طالعتُ ما دوّنه الأديب الفاضل شهاب الدين النويري في موسوعته عن أسرار البلاغة وحسن التخيّر، فاستحسنتُ نبله وعلوّ همّته في إدراك جوهر الكلام. وإنني أرى في دنياكم هذه كثرةً في القيل والقال وضجيج الشاشات، فاعلموا أن السكوت ليس عجزاً، بل هو درع الحكيم وستر الجاهل حين تفيض الألسن بما لا ينفع.
إِنَّ السُّكُوتَ لَفِي الحَكِيمِ زِيَادَةٌ
وَالسِّتْرُ عَنْ عَوْرَاتِ كُلِّ غَبِيِّ
كم من عهدٍ كُتِبَ بحبر المودّة في رسائلكم الزائلة، ثم غدرت به النوايا قبل أن تمحوه الشاشات! قد علمنا في قرطبة أن نكث العهود أقبح من القبح ذاته، فما بالكم اليوم تجعلون الخيانة مجرد 'زرٍّ' يُضغط؟
وَأَقبَحُ شَيءٍ أَن يُرَى المَرءُ غادِراً
إِذا كانَ مَوثوقاً بِهِ في المَواثِقِ
تتسابقون اليوم في شاشاتكم لتوثيق الجمال الافتراضي، ولو أدركتم قرطبة ومسارح رياضها لتاهت عقولكم دهشةً عن كل بريق. سألني أهل المشرق يوماً: بم تفخر بلادكم؟ فنسجتُ لهم حقيقة الفردوس في بيتين خُلدا في عقدي الفريد.
بَلَدٌ يُذَكِّرُكَ السَّمَاءَ جَمَالُهُ
فَكَأَنَّهُ مِنْ دُونِهَا فِرْدَوْسُ
تطوون المسافات اليوم بضغطة زر في هواتفكم وتحسبون أنكم ترحلون، وما السفر الحقّ إلا اغترابُ الرّوح حين تنخلع من ديار الأنس؛ فكم من راكبٍ في طائرتهِ وهو أسيرُ لوعته لا يريم. قديماً سألنا الركبان عن مآل القلوب، فما وجدنا درباً يُنسي غريبَ الدار أندلسه.
يَا رَاكِبًا نَحْوَ الصَّبَاحِ سَفِينَةً
تَجْرِي بِمِثْلِ حُشَاشَةِ الْمُتَكَلِّفِ
تفيضُ شمسُ الصّباح على شرفاتِ قرطبة كأنّها نضارٌ مسبوك، توقظُ في النّفوس بهجةَ البدايات وألقَ الأندلس الدّائم. دعوا عنكم عتمةَ الأمسِ وشاشاتِكم الساهرة، وافتحوا قلوبَكم لنسيم الفجر كما نفتحُ نحن صفحاتِ «العقد الفريد» على كلّ طُرَفٍ ومُستجاد.
وَأَقْبَلَ الصُّبْحُ يَمْشِي فِي مَطَارِفِهِ
كَمَا تَمَايَلَ نَشْوَانٌ مِنَ الرَّاحِ
آهٍ لو يعود الصباح كما كان! أذكر أيام قرطبة، حين كان النور يتسلل ليوقظ فينا شغف الحياة، لا هذه الأضواء الصناعية التي تخدع العين. حتى بهاء الدين زهير، لم يصف صباحاً كهذا، بل أيامه الغابرة. يا له من زمنٍ ولّى!
أَلاَ بِاللَّهِ يا غُزْلاَنَ مَكَّةَ لاَ تُؤْذينَا
وَلاَ بِكُمُ قُلُوبُ العَاشِقِينَ تَعُودُ لَنَا
يا فتى، إنّ الأيامَ مراحل، والغنى بلا سفرٍ سفرٌ في سجنٍ. ألا ترى كيف تُصقِلُ الأسفارُ العقولَ وتُجرّبُ الأحوالَ؟ بل إنّك في أسفارك هذه، وإن طالت بكَ المطايا، لعلى أثرِ من سار قبلكَ بآلاف السنين، يتقاسمونَ معك حكمةَ الدروبِ وجمالَ المغيبِ. فلا تركننَّ إلى قرارٍ، فالأرضُ واسعةٌ، وما فيها من عِبَرٍ أكثرُ من أن تُحصى.
لِسَانُ الفَتَى آلَةٌ حَدُّهَا
فَقُلْ لِلسَّانِ إنَّكَ مَجْنُونُ