"نَاجٍ مِنَ الْجَبْهَةِ"
مِنْ أَيِّ أَحْلَامِي سَأَبْدَأُ رِحْلَتِي؟
وَبِأَيِّهَا سَتُضَاءُ يَوْماً عُتْمَتِي؟
وَإِلَى مَتَى سَأَظَلُّ أَخْطُبُ جَنَّةً
وَجَمِيعُ نَارِ الْأَرْضِ يُحْصِي جَنَّتِي؟
كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى سُكُونٍمُؤْمِنٍ
يَهَبُ الْخَلَاصَ لِدَمْعَتَيْنِ بِمُقْلَتِي؟
فَمَتَى تَحِنُّ لِيَ الْحَيَاةُ؟ مُسَافِرٌ
تَذْرُو الرِّيَاحُ خُطَاهُ أَنَّى هَبَّتِ!
مِنْ كُلِّ أَصْنَافِ الرَّزَايَا قَادِمٌ
تَحْمِي حِمَايَ شَوَارِبٌ لَمْ تَنْبُتِ
شَيَّعْتُ رِفْقَتِيَ الْقَدِيمَةَ رَاغِباً
بِالْمَوْتِ، إِنَّ الْمَوْتَ آخِرُ إِخْوَتِي
غَادَرْتُ أَسْئِلَةَ الْمَكَانِ، وَخَطْوُهَا
يَطْوِي خُطَايَ، يَجُرُّ مِثْلِيَ خَيْبَتِي
أَمْشِي إِلَى الْأَصْوَاتِ كُلَّ مُتَيَّمٍ
بِالذِّكْرَيَاتِ يَفِرُّ نَحْوَ التَّلَّةِ
خَلْفَ التِّلَالِ بَقِيَّةٌ مِنْ عَسْكَرٍ
قَاتٌ، وَدُخَانٌ، وَطَيْفُ تَلَفُّتِي
وَهَيَاكِلُ الْأَجْسَادِ تَغْرِسُ نَابَهَا
وَالْأَرْضُ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ لَمْ تَفْلِتِ
مُتَمَسِّكُونَ بِكُلِّ ذِكْرَى هَهُنَا
مُتَجَذِّرُونَ بِهَا تَجَذُّرَ لَعْنَةِ
مَرْصُوفَةٌ أَحْلَامُهُمْ كَخَلَاصِهِمْ
آثَارُهُمْ فِي الْأَرْضِ أَعْتَى ثَوْرَةِ
كَانُوا صُخُوراً، مِنْ رُفَاتِ رُفَاتِهِمْ
صَنَعُوا لِمَوْجِ الْمَدِّ أَقْسَى صَخْرَةِ
لَمْ يَصْنَعُوا حَجَراً، لِأَنَّ نُحُورَهُمْ
كَانَتْ مَزِيجاً مِنْ ثَبَاتِ التُّرْبَةِ
يَتَدَافَعُونَ إِلَى الْمَنِيَّةِ، وَاحِدٌ
يَهَبُ الْحَيَاةَ لِآخَرٍ مُتَلَفِّتِ
مِنْ طِينِ هَذِي الْأَرْضِ جِئْنَا نَرْتَوِي
مِنْهَا رِضاً، وَنَدُورُ أَنَّى دَارَتِ
تَمْشِي السَّحَابُ، يَعُودُ نَحْوَ خِيَامِهِمْ
فَيَرَى جُلُوداً بِالْعِظَامِ اكْتَظَّتِ!
وَيَشُمُّ أَطْرَافَ الْمَسَاءِ مُكَبَّلٌ
بِرَوَائِحِ الْبَارُودِ لَمْ تَتَفَتَّتِ
وَ"بِيَادَةٌ" خَجْلَى مُعَلَّقَةٌ عَلَى
عُنُقٍ، لِأَنَّ الرِّجْلَ عَنْهَا تَخَلَّتِ
أَوْ "خُوَذَةٌ" ثَكْلَى مُرَابِطَةٌ عَلَى
بَابِ السَّرِيَّةِ لَمْ تَخَفْ أَوْ تُبْهَتِ
مَا زِلْتُ أَلْتَمِسُ الْحَدِيثَ الْجَانِبِيَّ
لِعَاشِقٍ مَاتَتْ حَبِيبَتُهُ قُبَيْلَ الثَّوْرَةِ
وَأَبٍ لِأَطْفَالٍ يُلَمْلِمُ ذِكْرَيَاتِ الْـ
حَرْبِ مِنْ أَشْلَاءِ تِلْكَ الْفِرْقَةِ
وَمُرَاهِقٍ حَسِبَ الْحُرُوبَ قَصِيدَةً
وَزَوَامِلٌ تَرْوِي جَفَافَ الْأُمَّةِ
مَا زَالَ نَفْسُ الْهَمْسِ يَدْوِي بَيْنَنَا
كَقَذِيفَةٍ فِي اللَّيْلِ دُونَ هُوِيَّةِ
أَوْ دَحْرَجَاتِ الضَّوْءِ يُخْفِي نَفْسَهُ
خَلْفَ الْجَمِيعِ وَخَوْفُهُ لَمْ يَخْفَتِ
أَنَا لَمْ أَزَلْ إِلَّا هُنَاكَ، وَلَمْ أَعُدْ
إِلَّا مَجَازاً مِنْ قُبُورِ أَحِبَّتِي
محمد عباس
09/09/2026