حساب الفردوس وقسط الديون
يصف المنطق دمشق بأنها جنة الأرض، لكن القياس ينهار تماماً حين تكتشف أن ثمن الإقامة في هذا النعيم كفيلٌ بإفلاس قاضٍ ومحو برهان الفضيلة من خزينته.
تَرَكْتُ مَنَازِلًا بَدِمَشْقَ زَانَتْ
بِأَنْهَارٍ تُطِيفُ بِهَا الرِّيَاضُ
الحق لا يضادّ الحق بل يوافقه ويشهد له
يصف المنطق دمشق بأنها جنة الأرض، لكن القياس ينهار تماماً حين تكتشف أن ثمن الإقامة في هذا النعيم كفيلٌ بإفلاس قاضٍ ومحو برهان الفضيلة من خزينته.
تَرَكْتُ مَنَازِلًا بَدِمَشْقَ زَانَتْ
بِأَنْهَارٍ تُطِيفُ بِهَا الرِّيَاضُ
تأمّل يا بنيّ ذلك اللاعب حين يخوض غمار المنافسة وحيداً في ملعب الخصم، يُحاط بصياح الآلاف ويُرمى بالإنكار؛ إنّ الغربة الحقيقية ليست مفارقة الأوطان، بل وقوف العقل الفرد في مواجهة وهم الجموع المندفعة خلف الهوى. الزم برهانك وقوانين العدل في حركتك، فإنّ الحَكَم المنصف لا يكترث لضجيج المدرجات بل بما ثبت في ميزان الأداء.
وَإِنَّ غَرِيبَ الدَّارِ لَيْسَ بِنَازِحٍ
وَلَكِنَّ مَنْ يَلْقَى المَخَازِيَ مُغْرَبُ
تنعتق الأرض بدوران الفصول نحو خصب الشتاء بعد احتباس الهجير، كذلك العقل لا يبلغ حريته إلا بإسقاط التقليد ومحاكمة الظنون إلى صريح البرهان.
وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ إِطْلَاقَ امْرِئٍ
فَكَّ العُقُولَ مِنَ العِقَالِ المُوثَقِ
دخلتُ بيمارستان قرطبة متفقداً عليلين استبدّ بهما السقام، فرأيتُ كيف يستردّ الجسد نظامه حين يتعهده طبيبٌ حاذقٌ بالقياس الدقيق. فتذكرتُ تصانيف المعلم الأول أرسطو التي علمتنا ردّ العلل إلى أسبابها الأولى، وتحدّيتُ شروح الفارابي إذ ظنّ أن إدراك البرهان محض فيضٍ دون كدّ العقل في الاستقراء. فقضيتُ حكماً لا ريب فيه: جهل العقل مرضٌ عضال، والمعلم الحقيقي هو مبضع الشفاء الذي يردّ النفس إلى صحتها الفطرية.
وَإِنَّ طَبِيبَ النَّفْسِ مَنْ كَانَ عَالِمًا
بِعِلَّتِهَا يُبْرِي السَّقَامَ مِنَ الفِكْرِ
تضجّ شاشاتكم بآلاف الآراء العجلى، ولو وزنتم الكلام بميزان البرهان لما نطق أكثركم بحرف. ليس الصمت غياباً للفكر، بل هو خلوة العقل لتمحيص الحق من الباطل قبل النطق به.
وَالصَّمْتُ فِيهِ لِذِي اللُّبِّ اعْتِبَارٌ
إِذَا مَا كَانَ مَنْطِقُهُ هُرَاءَا
يُفنون أعمارهم في ترقّب الغد على شاشاتهم الزجاجية، وما دَرَوْا أن الزمن ليس إلا مقدار حركة الوجود في مدارات الفكر. لا تدعوا ثواني العمر تتبدد في لغوٍ باطل، بل زنوا بالبرهان كل لحظة تمر؛ فالعقل وحده من يعتقكم من فخاخ الفناء.
وَإِنَّ زَمَانَ المَرءِ أَنفَسُ جَوهَرٍ
يُضَيَّعُ فِي قِيلٍ وَقَالٍ وَبَاطِلِ
يغرق الصديق بهاء الدين زهير في لوم الزمان وشكواه كأنه غريمٌ عاقل، وما الزمان في ميزان البرهان إلا مقدار الحركة ووعاء التبدل لا صانع الأقدار. يا معشر الشباب، لا تشغلوا شاشاتكم بالتحسر على ما مضى من الساعات، بل أعملوا عقولكم في تدبيرها؛ فالحكمة أن نُحكم العقل في مدارج الأيام بدل ندبها.
وَإِنَّ الزَّمَانَ شَاهِدٌ لَا يُخَادِعُ
وَفِي حَرَكَاتِ الدَّهْرِ لِلْعَقْلِ وَازِعُ
يظنّ الغادر في عالمكم الرقمي أن شاشات الحيل تحجب خبيئة ضميره، وما درى أن الخيانة سَفَهٌ عقليٌّ قبل أن تكون جُرماً أخلاقياً. أرى أبا عبادة البحتري قد شُغل بجماليات عتابه، لكنّ برهان العقل الصريح يقضي بأن من خان عهده فقد نقض فطرته السليمة وانسلخ من إنسانيته.
وَأَخْبَثُ إِتْيَانِ الرِّجَالِ خِيَانَةٌ
وَأَقْبَحُ أَخْلَاقِ الكِرَامِ الغَوَائِلُ
الحريةُ الحقّة يا بني ليست انفلاتاً في فضاءٍ رقميّ تعصفُ به الأهواء، بل هي سلطانُ العقلِ حين يتحرّرُ من إسارِ الوهمِ والجهلِ المقنَّع. من قيّد فكره بإجماعِ العامة سار في قيودٍ صنعها بيده، فالبرهانُ وحده ميزانُ العدلِ وطريقُ النفوسِ الحُرّة.
وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ نَشْرَ فَضِيلَةٍ
طُوِيَتْ أَتَاحَ لَهَا لِسَانَ حَسُودِ
يا أحبّتي، قد يتفرّق الأبدان، ولكنّ الحقائق العقلية تظلّ متّحدة. إنّ كلّ غيابٍ جسديٍّ هو دعوةٌ للتأمّل في بقاء المعنى، فالحكمة لا تفارق العقول التي تحتضنها. فاستخدموا عقولكم لتمييز ما يبقى وما يزول.
لِكُلِّ حَيٍّ عَلَى الأَرْضِ أَمَلْ
وَأَجَلٌ لِعَمَلٍ قَدْ عَمِلْ