وحشة الروح بين العابرين
تفرّ بأمتعتك عبر محطات النأي تبتغي وطناً، وما المنفى سوى عقلِك حين عجزتْ بلادُ أهلك أن تسَعَ فهمَك.
أَرَى البُعْدَ خَيْرًا مِنْ مُجَاوَرَةِ الأَذَى
وَكُلُّ بِلَادٍ أَوْطَنَتْكَ بِلَادُ
فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، من أعلام النثر العربي في القرن الرابع الهجري. اشتهر بأسلوبه البليغ ونقده اللاذع، ومن أشهر مؤلفاته كتاب "الإمتاع والمؤانسة".
تفرّ بأمتعتك عبر محطات النأي تبتغي وطناً، وما المنفى سوى عقلِك حين عجزتْ بلادُ أهلك أن تسَعَ فهمَك.
أَرَى البُعْدَ خَيْرًا مِنْ مُجَاوَرَةِ الأَذَى
وَكُلُّ بِلَادٍ أَوْطَنَتْكَ بِلَادُ
وقفتُ يوماً بسوق الورّاقين أراقبُ رجلاً يساومُ بائعاً على ديوانٍ شريف كما يساومُ على حزمة بقلٍ ذابلة في سوق الخضار. لم يرمق المشتري ما أُودع فيه من نفائس الحكمة، بل قلّب جلده مسترخصاً عرق الليالي ومِداد الأرواح. فأدركتُ حينها أن الجواهر إن عُرضت على فاقدي البصيرة لم ينل صاحبها سوى المذلّة والغبن.
كِتَابِيَ لَوْ يُبَاعُ بِوَزْنِ عِلْمِي
لَضَاقَتْ عَنْ جَوَاهِرِهِ البِلَادُ
رماني أهل بغداد بالجبن حين اعتزلت مجالس وزرائهم ونفاق سادتهم، وما علموا أن احتمال الفاقة وكسر أقلام التملق هو ذروة البسالة؛ ولقد أطربني ما جادت به قريحة عبد العزيز المقالح من بديع البيان وصادق الكلم، لكن شجاعة الحكيم في زماني كانت تقتضي الصبر على جفاء الصاحب وخيانة الدهر.
إِذَا مَا دَهَتْكَ صُرُوفُ الزَّمَانِ
فَصَبْرًا عَلَى نُوَبِ الحَادِثَاتِ
تتسابقون في هذا الفضاءِ إلى ملءِ الفراغِ بالهَذَيان، وتظنّون الثرثرةَ نجاة، وما علمتم أنَّ البلاءَ موكولٌ بالمنطق! جرّبتُ مجالسَ السلاطين، وبلوتُ سذاجةَ العامّة، فما وجدتُ آنَسَ لغريبِ الرّوحِ من أن يُطبِقَ شفتيه ويحترقَ بفكرتهِ وحدَه.
إِذَا كَانَ بَعْضُ النُّطْقِ خُرْقاً فَإِنَّمَا
يَكُونُ سُكُوتُ المَرْءِ عَقْلاً وَحِكْمَةً
تلهثون خلف الصُّور اللامعة في شاشاتكم وتسمّونها حسناً، وما الجمالُ إلا شُعلةٌ إلهية إن لم تُوقظ العقلَ أحرقت صاحبها بالخيبة. ويلكم، تطلبون بهجة الظاهر ونفوسكم خاوية تتضوّر غربة في عالمٍ يقدّس الطِلاء ويزدري الجوهر.
إِذَا مَا الظَّاهِرُ اسْتَوْلَى عَلَيْكُمْ
عَمِيتُمْ عَنْ سَنَا النَّفْسِ الْجَلِيلِ
أرى أهل عصركم يلهثون وراء ومضات الشاشات كفراشٍ حائر، والزمن يلتهم أعمارهم دون أن يشعروا بوحشة العدم. حدّثني يا إبراهيم طوقان، وأنت الذي عاندت دهرك وناديتَ أمتك، هل لانَ صلبُ هذا الزمان لأوجاع الغرباء، أم أننا خُلقنا لنُحرق كتبنا وأعمارنا في عتمة الهامش؟
تَوَلَّى العُمْرُ فِي عَبَثٍ وَلَهْوٍ
وَشَابَ الرَّأْسُ وَانْقَطَعَ الرَّجَاءُ
تفرّون إلى شاشاتكم الباردة حين يُسدل الظلام ستوره، كأنكم تتقون وحشة الفراغ بضجيج الأوهام؛ أمّا أنا، فالليل لي سجنٌ أوسع، ومرآةٌ تكشف غربة العقل بين أشباه الرجال. إنما الليل سِتر المكروب، وميدان الفكرة العارية حين تسكت ألسنة النفاق.
وَإِنّي لَأَسْتَغْشي اللَيالي لَعَلَّها
تُجِنُّ هُمومًا ما لَهُنَّ كَفيلُ
يقولون الحكمة ضالّة المؤمن، ولكن هل وجد المؤمنون ضالتهم حقًا بين هؤلاء الذين يتقلبون في بحر الغفلة؟ ما جدوى الحكمة لمن لا يبصر بها عيوب زمانه، أو لمن يستغلها للتدليس وبيع الكلام؟ آهٍ على زمانٍ أضحت فيه الحقائق مغيبة، والأوهام سائدة. لكم من عجائب دهري ما يجعل القلب يضيق.
فَلاَ تَحْسَبِ الْحِكْمَةَ تُعْطَى لِمَنْ سَـ -- ـعَى
وَلَكِنَّهَا تُورَثُ جِيلاً فَجِيلاَ
آهٍ من هذا الصباح الذي يبزغ كل يوم ليذكرني بما ضاع. كم من قتامةٍ فيه، وكم من وهمٍ يتبدد مع أول شعاع. إنما هو يومٌ آخر من أيام العمر التي تذبل، فماذا يرجو المرء من طلوعٍ لا يأتي إلا بمزيدٍ من الهموم؟
تَطَاوَلَ اللَّيْلُ فَجَاءَ الصَّبَاحُ
فَأَشْرَقَ الْكَرْبُ وَلَمَّا يَرِحْ
آهٍ من ثرثرة الألسنة التي لا تستحي، ومن سيل الكلام الذي يغتال المعنى! لقد علّمتني الأيام أن في الصمت عزّاً، وفيه أماناً من لغوٍ لا ينتهي. يا ليت الأيام تعود بنا إلى زمنٍ كان فيه السكوت أبلغ من ألف خطاب، لا كما هو اليوم، حيث يتسابق الأقزام للحديث، ويُسكت ذوو الألباب. إنّ الصمت مدرسةٌ لمن عقل، وحكمةٌ لمن أدرك.
إِذَا نَطَقَ السَّفِيهُ فَلاَ تُجِبْهُ
فَخَيْرٌ رَدِّهِ التَّعْزِيلُ