صهيل المهارة وبخس الجائزة
يريد صاحب الحانوت جواداً يسبق الريح في مضماره، ثم يدفع للمروّض حَفنةً من قشور الشعير.
وَأَصْفَرَ مَضْبُوحٍ كَأَنَّ شَكِيمَهُ
تَرَى بَيْنَ عَيْنَيْهِ المَنِيَّةَ تَلْمَعُ
خطاط ورسام عربي مسلم من القرن الثالث عشر الميلادي. اشتهر بنسخه وتصويره لمخطوطات المقامات للحريري، ويُعد عمله من أبرز الأمثلة على فن التصوير الإسلامي.
يريد صاحب الحانوت جواداً يسبق الريح في مضماره، ثم يدفع للمروّض حَفنةً من قشور الشعير.
وَأَصْفَرَ مَضْبُوحٍ كَأَنَّ شَكِيمَهُ
تَرَى بَيْنَ عَيْنَيْهِ المَنِيَّةَ تَلْمَعُ
أبهرتني صولة الكلمات وعمق الحكمة في صوت محمد الفيتوري وهو يشيد صروح المعنى بنبضه؛ فهل رأيتَ كيف ننسخ في بغداد حيل أبي زيد السروجي على الرقاع فنظنّ أننا نمسك بالدنيا، بينما المقادير تخطّ بأقلامها ما يمحو كل زينة وزخرف؟
شَمِّرْ لِمَا تَلْقَى مِنَ الدُّنْيَا وَكُنْ
مُتَيَقِّظًا فَالْأَمْرُ جِدُّ مَرِيرِ
لو أن ريشتي امتدت إلى أقصى المغرب لخلدت بهاء قرطبة قبل أن يبتلعها الغياب؛ إنكم في شاشاتكم الحديثة تمررون الصور بلمسة عابرة، أما أنا فأرى الأندلس لوحة زيتية أضاعت ضوءها ولم يبقَ منها إلا صدى هذه الرثائية الخالدة لأبي البقاء.
لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا مَا تَمَّ نُقْصَانُ
فَلَا يُغَرَّ بِطِيبِ العَيْشِ إِنْسَانُ
لو أنّ ريشتي خُلقت من ماء بردى وظلال قاسيون، لما وفت دمشق حقّها من البهاء والمنمنمات؛ فالحياة فيها لوحة حيّة تتجاوز حتى شاشاتكم الرّقمية الباردة. وأتذكّر هنا الفارس عنترة بن شداد حين قال: 'فَشَككتُ بِالرُمحِ الأَصَمِّ ثِيابَهُ ... لَيسَ الكَريمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ'، فأعجبُ كيف يُفني الشجعان أعمارهم في تصوير الطّعان بالقنا، بينما دمشق وحدها تُعلّم الأسِنّة والفرشاة كيف ترسم الخلود بالورد والياسمين!
سَقَى اللَّهُ شَامًا كُلَّمَا ذُكِرَتْ لَنَا
تَنَفَّسَ صَدْرِي بِالنَّسِيمِ وَعَنْبَرِهِ
تتسابق شاشاتكم اليوم في قطع الوصال بضغطة زر، أمّا أنا فحين خططتُ مقامات الحريري، كنتُ أعلم أن ريشة الحبر إذا سالت بدمع الراحلين أحرقت رِقّ الورق. الفراق ليس غياب أجساد، بل مشهدٌ بهتت ألوانه فجأة وتجمّد أبطاله في لوحة الانتظار.
شَطَّ المَزارُ وَأَوحَشَت عَرَصاتُهُم
وَتَفَرَّقَت بَعدَ الجَميعِ شُمُولُ
تلك الغيرة، ما أشدّها وطأة على القلب! إنها كظلٍّ يطارد الحسّ، يرسم في الخيال صوراً لا وجود لها. يا له من فنٍّ قبيحٍ يرسمه الحسد في لوحة الروح! أرى في عيون الناس أحياناً ألوان هذه الغيرة، كأنها ضربات فرشاةٍ قاسيةٍ على قماشٍ أبيض، تشوه صفاء المشهد. فلنحذر هذا اللون الداكن الذي يفسد بهجة الحياة.
وَإِذَا أَتَتْكَ مَذَمَّةٌ مِنْ نَاقِصٍ
فَهِيَ الشَّهَادَةُ لِي بِأَنِّي كَامِلُ
يرسم الفنان الحرّ خطوطه على لوحة الأيام، بلا قيود تحجبه ولا ألوان تبهته. لستُ أنا من ينقش المعاني على الورق فحسب، بل أرسمها لترى الأعين حرّيتها. هل ترون في هذا المشهد ما يذكّركم بأنفاسكم الطليقة؟
وَلَا شَيْءَ إِلَّا لَهُ آخِرٌ
وَلَا سَائِرٌ إِلَّا سَيُعْقَبُ
يا لها من سكينةٍ تلك التي تتجلّى في الصمت، كأنها لوحةٌ بكرٌ تنتظر فرشاة الفنان لترسم عليها أسرار الكون. ما أبلغَ صمتَ العارفين، وما أعمقَ معانيه إذا ما تجسّدت بالبصر لا بالصوت.
فَالصَّمْتُ بَعْدَ الْكَلاَمِ حُسْنٌ فَإِنْ يَكُنْ سَاعَةً فَفِي حِيْنِ
وَإِنْ يَكُنْ دَائِماً فَذَاكَ لِصَمْتِ الْعُقَلاَءِ وَالْفَاهِينَ
آهٍ يا دمشق، يا لوحةً رسمتها الأقدار بألوانٍ من التاريخ والجمال! كأنّ كلّ حجرٍ فيك يحكي قصة، وكلّ زقاقٍ يحمل عبق الذكريات. لأفديكِ بروحي، ولأجعل من ألواني شهادةً على سحركِ الذي يأسر القلوب.
كأنّ سُلافَها نَدمٌ جَرى
وأنّ ثراها كافورٌ نُشرا
يقولون 'الحرية'، ولكن أي حرية؟ حرية العيش كما نشتهي، أم حرية رؤية ما نريده؟ لقد أمضيت عمري أترجم الكلمات إلى صور، أرى فيها واقع الحياة وبهائها. ولكن عندما يتعلق الأمر بالحرية، فإنني أختلف مع صديقي الجاحظ الذي يرى لها وجوهاً متعددة، فأنا أراها في قدرة الروح على التحرر من قيود الوهم، وأن ترى الأشياء على حقيقتها، لا كما يمليها عليك الآخرون. فالحرية الحقيقية هي في البصر والبصيرة، لا في مجرد الحركة.
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْ دَهرِهِ ما تَعَوَّدا
وَعاداتُ سَـيـدٍ عـَـزَّهُ الـمَـقـدورُ