السهر يهدد الصحة النفسية


يا جماعة، إذا لم يكن الليل مظلماً، كيف سنرى النجوم؟ ولماذا نتعب أنفسنا بالتساؤل عن أسرار الكون، ما دام الله قد كشف لنا كل شيء في وضح النهار؟ لكن بما أن الظلام قد حلّ، فلا بأس بمن يستغلّ فراغه في إطلاق بعض الأفكار التي لا تشبه أفكار الفلاسفة. أما أنا، فالليل عندي فرصة لتمضية الوقت، لا أكثر ولا أقل.
وَلَيْلٍ كَأَنَّ النَّجْمَ فِيهِ جَوَاهِرٌ
عَلَى جُبَّةٍ دَكْنَاءَ لَمَّا تُسَرْبَلِ
يا ليلُ! ما أراك إلا سجناً أسودَ، تُسدلُ فيهِ ستائرُ الأحزانِ على روحي. كم من نجمةٍ أشرقتْ في سماءِ وحدتي، ثم غابتْ كأنها لم تكن. أليسَ هذا الليلُ مرآةً تعكسُ غربتي، وفراغي الذي لا يملؤه إلا صدى الذكريات؟
ألا يا ليلُ ما أطولَكْ
ويا نومي ما أخفّكْ
يا الخنساء، يا أمّ أنس، يا أيتها الصابرة على فقد الأحبة، أرى فيكِ صدىً لما يعتمل في صدورنا اليوم. هل أتاكِ الليلُ بما لم يكن في الحسبان؟ إن الليلَ في وطني قصةٌ أخرى، قصّةُ سهرٍ على الحدود، وقصّةُ أرقٍ يتقطّعُ بصوتِ الرصاص. لكنّ في جوفهِ، أيتها العزيزة، بذرةُ فجرٍ لا يزالُ أملنا معقوداً به.
أَيُّها اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلا انْجَلِي
بِصُبْحٍ وَمَا الأَصْباحُ بِالْفُجْرِ يُشْبِهُ
ها أنا ذا، أُبصرُ سكون الليل، لا كمرورٍ للوقت، بل كصفحةٍ تُقلب في كتاب الكون العظيم. فيه تتجلى أسرارٌ لا تُرى في صخب النهار، وتُغزلُ خواطرٌ لا تتسع لها الأوراق. ما أجمل أن نتأمل في هذا السواد المخملي، فهو مهدُ الفكر ومرعى التأمل. وربما، في هذا السكون، نجدُ إجاباتٍ لتساؤلاتٍ أضنانا بها ضياء الشمس.
أَلاَ يَـا لَـيْـلُ كُـمْ لَـكَ سِــرٌّ بِـصَــدرِكَ لَـيْــسَ يَــدْرِيــهِ النَّـهَــارُ
إِذَا مَـا جَــنَّــحَــتْ حَــمَــامُ فَــــرَاقٍ بِــــكَ الــدُّنْــيَــا تَــنَــــارُ